بقلم: ريم ريّا
استأنفت شركة النفط السورية الإنتاج الكامل في مصفاة بانياس بعد توقف مؤقت لإجراء صيانة شاملة. وتعكس هذه الخطوة الضغط الهائل على قطاع الطاقة في سوريا، والدور المحوري الذي تلعبه المصفاة كإحدى الركائز الأخيرة المتبقية للاقتصاد المحلي. فعندما تتوقف مصفاة بانياس عن العمل، يتجاوز تأثير ذلك قطاع النفط، ليطال قطاعات النقل والكهرباء والصناعة وأسعار الوقود، وهي قطاعات يعاني منها السوريون بشدة بعد سنوات من الأزمات المتتالية. لذا، فإن استئناف عمليات المصفاة ليس مجرد تقدم تقني، بل هو أيضاً مؤشر اقتصادي وسياسي هام ذو دلالات أوسع نطاقاً على جهود إعادة بناء البنية التحتية للطاقة في البلاد.
مصفاة بانياس.. لماذا توقفت وما طبيعة الأعمال المنفذة؟
لم يكن الإغلاق الأخير لمصفاة بانياس ناتجاً عن عطل طارئ أو نقص في الإمدادات فحسب، بل كان بسبب عملية صيانة هندسية جزئية استلزمت إيقاف تشغيل المصفاة بالكامل. ووفقاً للمعلومات الرسمية، شملت الأعمال وحدات التقطير والتكرير والهدرجة، بالإضافة إلى دوائر البخار. كما أُجريت أعمال لحام وصيانة على خطوط البخار ومحطات تخفيض الضغط والوصلات الكهربائية للغلايات الرئيسية. تكشف هذه التفاصيل الفنية أن العملية تجاوزت الصيانة الروتينية، واقتربت من إصلاح شامل بالغ الأهمية لمنع حدوث أعطال تشغيلية مستقبلية، لا سيما وأن المصفاة تعمل منذ عقود تحت ضغط استهلاك مرتفع وفي ظروف تشغيل معقدة فرضتها الحرب والعقوبات ونقص قطع الغيار.
تكمن الأهمية الحقيقية لهذه الصيانة في تركيزها على “القلب التشغيلي” للمصفاة، الأنظمة المتعلقة بالإنتاج المستمر والطاقة الحرارية والتحويل الكيميائي للمنتجات المكررة. ولذلك، كان الإيقاف الكامل أمراً لا مفر منه، إذ إن أي محاولة لإجراء هذه الأعمال أثناء تشغيل المصفاة كان من شأنها أن تنطوي على مخاطر فنية جسيمة أو حوادث صناعية. كما أثارت المناقشات عن تقييم إشعاعي وإزالة تلوث من المعدات والوحل النفطي بالتعاون مع هيئة الطاقة الذرية السورية يفتح الباب أمام ملف أقل تداولاً، يتعلق بمدى تآكل بعض المنشآت القديمة والحاجة إلى تحديثات أعمق من مجرد أعمال صيانة دورية.
اقرأ أيضاً: بعد إلغاء مصفاة حمص.. ما مصير الموظفين الحكوميين؟ “سوريا اليوم24” سألت عن الأمر
مصفاة بانياس واستعادة القدرة الإنتاجية.. ما الذي تغير؟
إن أبرز ما يميز عودة مصفاة بانياس للعمل ليس مجرد استئناف العمليات، بل تزامن ذلك مع سلسلة من إجراءات التوسعة والتحسين التي باتت واضحة بشكل متزايد في الأسابيع الأخيرة. ففي مطلع مايو، رفعت المصفاة عدد ناقلات النفط العراقية التي تُفرغ حمولتها يومياً إلى نحو 500 ناقلة، وذلك بعد تعديلات هندسية رفعت الطاقة التشغيلية بنسبة 30% ووفرت عشرات ساعات العمل. وهذا يدل على أن الإدارة الحالية لا تركز فقط على منع توقف العمليات، بل تسعى أيضاً إلى تحسين كفاءة تدفق النفط وتبسيط عمليات التخزين والتكرير والتوزيع.
ومن منظور اقتصادي، تمثل هذه التطورات محاولة جادة لتخفيف الاختناقات في سوق الوقود، لا سيما في ظل اعتماد سوريا المستمر على الإمدادات الأجنبية من النفط الخام والمنتجات المكررة. علاوة على ذلك، تمنح زيادة الطاقة التشغيلية الحكومة مرونة أكبر في إدارة نقص البنزين والديزل، الذي سرعان ما يتفاقم ليتحول إلى صعوبات اقتصادية جسيمة. من المهم التذكير بأن مصفاة بانياس صممت بطاقة إنتاجية سنوية تبلغ ستة ملايين طن من النفط الخام، وقد تجاوزت في السنوات السابقة طاقتها التصميمية بأكثر من 100%، مما يجعلها منشأة استراتيجية بامتياز، وليست مجرد مصفاة تقليدية.
من جهة أخرى، فإن القدرة على الحفاظ على هذا الأداء تعتمد على عوامل أكثر تعقيداً من مجرد الصيانة، أهمها استقرار إمدادات النفط، وتوفر التمويل، والقدرة على مواصلة تحديث المعدات.
هل تدخل مصفاة بانياس مرحلة تحديث حقيقية؟
تشير البيانات الحديثة إلى أن مصفاة بانياس تدخل مرحلة مختلفة نسبياً، لا سيما بعد المناقشات حول مشروع استبدال مكونات المفاعل وتحديث المعدات، والذي وصف بأنه الأكبر منذ إنشاء المصفاة عام 1975. لا يرتبط هذا النوع من المشاريع عادةً بالصيانة الدورية، بل بخطط إعادة تأهيل طويلة الأجل تهدف إلى إطالة عمر المصفاة، وتحسين جودة الإنتاج، والحد من الهدر والمخاطر التقنية.
علاوةً على ذلك، فإن زيارة السفير التركي لدى سوريا، نوح يلماز، الأخيرة للمصفاة لها دلالات تتجاوز البروتوكول الدبلوماسي. فهي تعكس اهتماماً إقليمياً متزايداً بقطاع الطاقة والبنية التحتية في سوريا، خاصةً في ظل المناقشات المتكررة حول مشاريع إعادة الإعمار والتحرير الاقتصادي الجزئي. مع ذلك، يتطلب أي تقييم واقعي للوضع الإقرار بأن تحديث مصفاة بانياس سيظل عملية طويلة ومكلفة، نظراً لأن المنشأة تعمل منذ ما يقرب من نصف قرن في بيئة عانت من استنزاف هائل.
يبدو أن استئناف العمليات الكاملة في مصفاة بانياس حدث ذو بعدين متوازيين،الأول تقني واقتصادي، يتعلق باستقرار إمدادات الطاقة ومنع اضطرابات السوق، والثاني سياسي، مرتبط بإثبات قدرة مؤسسات الدولة على صيانة المنشآت الاستراتيجية رغم سنوات الحرب والعقوبات. وبين هذين البُعدين، تبرز حقيقةٌ جليةٌ مفادها أن الاقتصاد السوري لا يزال شديد الحساسية لأي اضطراب في قطاع الطاقة، لدرجة أن إصلاح أنبوب بخار أو إعادة تشغيل غلاية قد يتحول إلى حدث وطني كبير. هكذا تدار الاقتصادات المنهكة في كثير من الأحيان، مدفوعةً بالصيانة الطارئة بدلاً من خطط التنمية.