مشروع “شمال السكة” في الرقة: إعادة إعمار أم اختبار جديد لحقوق السكن؟

مشروع “شمال السكة” في الرقة: إعادة إعمار أم اختبار جديد لحقوق السكن؟

الكاتب: أحمد علي

لا يكفي أن ترسم الإدارة شارعاً جديداً كي يولد الإعمار. المدينة ليست فراغاً هندسياً ينتظر المسطرة، وليست بيوتاً متلاصقة يمكن نقلها من خانة إلى أخرى بقرار إداري. في الرقة، يبدو مشروع تنظيم منطقة “شمال السكة” أقرب إلى امتحان مبكر لمعنى إعادة الإعمار بعد الحرب: هل تعود المدينة إلى سكانها، أم يعود السكان إلى الانتظار أمام خرائط لا يعرفون حدودها؟

المشروع حين يخرج من الخريطة

المنطقة، المعروفة أيضاً بحي الأندلس شمال مدينة الرقة، شهدت خلال الأيام الماضية احتجاجات ووقفات عند دوار حزيمة. الأهالي رفضوا ما فهموه بوصفه مشروعاً قد يقود إلى الهدم أو الإخلاء، وطالبوا بتعليق القرار أو توضيح مصير البيوت والتعويضات. بعض الشعارات ركز على رفض الإخلاء القسري، وبعض الأصوات تحدثت عن حق السكان في معرفة ما سيحدث قبل أن تبدأ الجرافات بالتحرك.

الرواية الرسمية تسير في اتجاه آخر. محافظة الرقة قالت إن المشروع يستهدف تحسين الواقع الخدمي والعمراني، وتطوير البنية التحتية، وإنه لا يقوم على إخراج السكان من منازلهم بلا بدائل. المحافظ عبد الرحمن سلامة أكد، بحسب ما نشرته وكالة سانا، أن أي أسرة لن تُخرج من منزلها قبل تأمين بديل مناسب بشكل كامل، وتحدث عن تعويض بشقق سكنية حديثة تحفظ الاستقرار والكرامة.

هذا التعهد مهم. لكنه لا يغلق الملف. فالمشكلة ليست في مبدأ التطوير فقط، بل في التفاصيل التي تنتظر السكان ولا يملكون أجوبة كافية عنها. من يشمله التعويض؟ كيف تُثبت الملكية في حي تشكل خارج التنظيم الرسمي؟ ما مصير من بنى أو اشترى أو ورث في مراحل مختلفة؟ وهل البديل السكني سيكون قريباً من الحي والعمل والمدرسة، أم مجرد وحدة إسمنتية تُسقط حق الاعتراض؟

حقوق السكن قبل لغة الإسمنت

شمال السكة ليس رقعة خالية. هو حي نشأ على أطراف المدينة، وتراكمت فيه طبقات من السكن غير المنظم، من شراء أراض زراعية قديمة إلى توسع عمراني فرضته الحرب والنزوح وتبدل سلطات الأمر الواقع. في إحدى الشهادات التي نشرتها صحيفة الثورة، قال أحد سكان الحي إن جده اشترى أرضاً زراعية وبنى عليها منزلاً منذ عام 1987، ثم كبرت المنطقة لاحقاً، خصوصاً خلال سنوات سيطرة تنظيم داعش ثم قوات سوريا الديمقراطية على المدينة.

هذه الشهادة لا تكفي وحدها لحسم الملكية قانونياً. لكنها تشرح لماذا لا يرى الأهالي بيوتهم بوصفها “مخالفات” فقط. البيت هنا ذاكرة عائلة، ومكان نجاة، ورصيد الفقير حين لا يملك شيئاً آخر. لذلك يتحول أي مشروع تنظيم، إذا جاء غامضاً، إلى تهديد وجودي لا إلى وعد بتحسين الخدمات.

تحدثت وسائل إعلام محلية عن احتمال تضرر مئات العائلات، بينما تداولت مصادر أخرى أرقاماً تصل إلى أربعة آلاف منزل. ولم تظهر، في المصادر الرسمية المتاحة، أرقام نهائية واضحة لعدد البيوت المشمولة، أو جدول زمني تفصيلي، أو آلية تعويض منشورة يستطيع السكان الاحتكام إليها. وهذه الفجوة وحدها تكفي لإنتاج الخوف. فالناس لا تخاف من الخريطة إذا عرفت مكانها فيها، لكنها تخاف حين تُرسم الخريطة من دونها.

الرقة تحمل عبئاً إضافياً. بعد معركة 2017 ضد تنظيم داعش، قُدرت نسبة الدمار في المدينة بنحو 80 بالمئة، مع تضرر أو تدمير قرابة 11 ألف مبنى، بينها مشاف ومدارس وشبكات مياه ومبان عامة. هذه ليست مدينة تبدأ من الصفر، بل مدينة تحاول الخروج من ركام طويل. وفي آذار 2026، أعلن صندوق الائتمان لإعادة إعمار سوريا مشروعاً بقيمة 1.7 مليون يورو لتحسين السكن في الرقة ودير الزور، متوقعاً إفادة نحو 1,150 أسرة و7,900 شخص بصورة مباشرة أو غير مباشرة. الرقم مفيد، لكنه يوضح أيضاً حجم الفجوة بين الحاجة والموارد.

إعمار المدينة أم إعادة ترتيب سكانها؟

لا يمكن إنكار حاجة الرقة إلى تنظيم عمراني. الأحياء العشوائية تعني شوارع ضيقة، وخدمات أضعف، وشبكات صرف ومياه وكهرباء أقل قدرة على الاستمرار. لكن الاعتراف بهذه الحاجة لا يعطي أي مشروع حصانة أخلاقية أو قانونية. التطوير ليس قيمة مجردة. قيمته تقاس بما يفعله بحياة الناس الذين يفترض أنه جاء لخدمتهم.

هنا يصبح “شمال السكة” أكثر من مشروع محلي. إنه اختبار لكيفية إدارة الإعمار في سوريا بعد الحرب. هل يجري التعامل مع السكان بوصفهم أصحاب حق، أم بوصفهم عقبة أمام المخطط؟ هل يكون التعويض مكتوباً ومعلناً وقابلاً للطعن، أم يبقى وعداً عاماً في مؤتمر أو تصريح؟ وهل تُفتح لجان حقيقية لتوثيق الملكيات والحيازة والشراء القديم، أم يجري اختصار التعقيد بعبارة “منطقة عشوائية”؟

المحافظة تقول إن الحوار قائم وإن حقوق الأهالي محفوظة. هذا كلام ضروري، لكنه يحتاج إلى أدوات. لجنة مستقلة نسبياً، سجلات واضحة، مهلة اعتراض، آلية تعويض قبل الإخلاء لا بعده، وضمان ألا تتحول الشقة البديلة إلى شكل جديد من التهجير داخل المدينة نفسها. إعادة الإعمار لا تبدأ عندما تُزال البيوت القديمة، بل عندما يطمئن أصحابها إلى أن لهم مكاناً في المدينة المقبلة.

الخلاصة أن مشروع شمال السكة يمكن أن يكون فرصة. ويمكن أن يكون خطأ جديداً يُضاف إلى أخطاء الحرب وما بعدها. الفارق لن تصنعه العناوين ولا الوعود. سيصنعه سؤال بسيط: هل سيكون سكان الحي شركاء في إعادة تنظيمه، أم شهوداً على خروجهم منه؟ إذا بدأ المشروع من حقوق السكن والملكية والتعويض، فقد يفتح باباً لإعمار أكثر عدلاً. أما إذا بدأ من الجرافة، فسيبدو الإعمار كأنه وجه آخر للإخلاء.

اقرأ أيضاً: استثمارات وهمية تتوسع في الرقة عبر منصات ومجموعات “تلغرام” تستهدف الشباب

المدير العام

بقلم: المدير العام

كاتب ومحرر في سوريا نيوز. تغطية شاملة للأحداث لحظة بلحظة.