بقلم: ريم ريّا
أعاد قرار العراق تعليق عبور المواشي الحية من سوريا مؤقتاً قضية تجارة المواشي والأراضي إلى صدارة النقاشات الاقتصادية الإقليمية، لا سيما بعد أسابيع قليلة من محادثات إعادة تنشيط معبر التنف الحدودي وتحويله إلى بوابة استراتيجية إلى الخليج. وبينما بررت بغداد قرارها بمخاوف صحية تتعلق بانتشار مرض الحمى القلاعية، يعتقد المراقبون أن له تداعيات اقتصادية مباشرة على قطاع تصدير المواشي السوري، الذي كان يسعى للتعافي من سنوات من التراجع.
مخاوف صحية من المواشي وراء القرار في العراق
أعلنت وزارة الزراعة العراقية تعليق عبور المواشي الحية من سوريا كإجراء احترازي لحماية الثروة الحيوانية المحلية، وذلك عقب ورود تقارير عن تفشي مرض الحمى القلاعية في عدة محافظات سورية، في ظل نفي سوري للموضوع. وأكدت الوزارة في العراق أن هذا القرار مؤقت، ويستند إلى المراقبة الوبائية والتقارير البيطرية الرسمية، مشددةً على أن الإجراءات الصحية تنطبق على جميع الدول دون استثناء.
يُعدّ مرض الحمى القلاعية مرضاً معدياً يصيب الأبقار والأغنام، وله تأثير كبير على قطاع الثروة الحيوانية. لذا، من الضروري أن تتوخى جميع الدول أقصى درجات الحذر فيما يتعلق بحركة المواشي عبر الحدود. ويبدو أن القرار العراقي، ظاهرياً، مرتبط بإجراءات وقائية تهدف إلى الحد من انتشار المرض في العراق، لا سيما في ظل حساسية الأمن الغذائي في المنطقة. إلا أن توقيت هذا القرار يثير تساؤلات، إذ يأتي بعد فترة وجيزة من إعادة فتح معبر التنف الحدودي، واعتبار العراق ممراً برياً جديداً للصادرات السورية إلى دول الخليج.
اقرأ أيضاً: سوق المواشي في سوريا بين الغلاء والركود.. اختلال بنيوي يهدد القطاع
“التنف” ومسار الخليج.. مشروع تجاري تلقى ضربة مفاجئة
في الأشهر الأخيرة، اتجهت سوريا بشكل متزايد إلى العراق لتصدير أغنامها إلى السعودية ودول الخليج، وذلك في أعقاب النزاعات حول حقوق العبور عبر الأردن. ومع إعادة فتح معبر التنف الحدودي وتطبيق نظام النقل الدولي البري (TIR)، يبدو أن دمشق تعيد صياغة استراتيجيتها لتصدير الماشية، مستخدمةً مساراً يوفر مرونة أكبر في الوصول إلى أسواق الخليج.
وقد عبرت أولى قوافل العبور الحدود السورية نحو الكويت عبر العراق، مما يشير إلى إمكانية تحول هذا المسار إلى ممر تجاري دائم. كما ساهم نظام النقل الدولي البري (TIR) في تبسيط إجراءات العبور وخفض تكاليف التشغيل، مما منح المصدرين السوريين ميزة تنافسية. إلا أن تعليق عبور الماشية الحية أعاد إثارة حالة عدم اليقين بشأن هذا المسار، مما أثار مخاوف المصدرين بشأن احتمالية حدوث اضطرابات في العقود وزيادة تكاليف النقل والتخزين، لا سيما وأن صادرات الماشية موسمية وتعتمد على السوق، مما يتطلب تسليماً فورياً.
ويرى المحللون الاقتصاديون أن أهمية معبر التنف تتجاوز صادرات الأغنام، وتشكل جزءاً من استراتيجية سوريا لتنويع طرقها التجارية وتجنب الاعتماد على محور واحد. لذا، فإن أي اضطراب في هذا الممر، حتى لو كان مؤقتاً، يضر بصورة استقرار التجارة ويقوض ثقة التجار وشركات النقل، الذين يسعون باستمرار إلى طرق موثوقة ويمكن التنبؤ بها. يخشى المستثمرون المفاجآت، ومع ذلك يبدو أن المنطقة بأكملها مزدهرة، مما يخلق مفاجأة جديدة كل أسبوع تقريباً.
خسائر محتملة وضغط إضافي على المربين والتجار
من الناحية الاقتصادية، قد يؤدي استمرار تعليق صادرات الأغنام السورية إلى خسائر مباشرة للمصدرين ومربي الماشية السوريين، لا سيما بسبب ارتفاع تكاليف الأعلاف والنقل والرعاية البيطرية في سوريا. وتُعدّ الصادرات إلى منطقة الخليج سوقاً حيوية للأغنام السورية ومصدراً هاماً للعملات الأجنبية. وأي خلل في حركة العبور قد يزعزع استقرار الأسعار المحلية، إما من خلال انخفاض الطلب على الماشية المُخصصة للتصدير أو زيادة الضغط على الأسواق المحلية.
كما يؤثر هذا القرار على قطاع النقل والخدمات اللوجستية، الذي يعتمد على حركة العبور وكان يعوّل على إعادة فتح المعابر الحدودية البرية مع العراق بعد سنوات من الركود. ويخشى بعض المعنيين في هذا القطاع من أن يؤدي استمرار القيود إلى كبح الزخم الناتج عن إعادة فتح الطرق البرية الجديدة، خاصةً وأن المنطقة بحاجة إلى استقرار طويل الأمد لإنعاش التجارة.
من جهة أخرى، تؤكد السلطات العراقية أن حماية الثروة الحيوانية المحلية ومنع انتشار الأمراض يظلان على رأس الأولويات، مما يجعل هذا الأمر بمثابة موازنة دقيقة بين المصالح الاقتصادية واحتياجات الصحة العامة. في خضم الصراع، ينتظر الرعاة السوريون إعادة فتح الحدود ، بينما تتغير القرارات أسرع من أسعار السوق نفسها.