بقلم: ديانا الصالح
تتراكم الأعباء المعيشية على رواتب السوريين التي بالكاد تكفي الأيام الأولى من تاريخ استلامها حتى أصبح أي باب للتمويل الصغير بمثابة نافذة أمل مؤقتة أكثر من كونه حلاً جذرياً، فعادت قروض الدخل المحدود في سوريا إلى الواجهة من جديد من خلال مصرف التسليف الشعبي في محاولة لإعادة ضخ السيولة نحو شريحة واسعة باتت تبحث عن توازن تفتقده ما بين الدخل والنفقات.
ربما أعاد القرار الأمل لفئات واسعة تبحث عن حلول تمويلية تساعدها في مواجهة التكاليف المعيشية اليومية المرتفعة وسط ظروف تعتبر من الأصعب خلال السنوات الأخيرة.
من يستفيد من قروض الدخل المحدود في سوريا بعد استئنافها؟
أعلن مصرف التسليف الشعبي مؤخراً استئنافه منح قروض الدخل المحدود في سوريا، وذلك اعتباراً من الأول من حزيران القادم بعد فترات من التوقف كان أبرزها وأكثر طولاً هو الفترة الممتدة من أواخر 2023 حتى النصف الأول من عام 2026، فالمصرف كان قد أوقف القروض أو خفّضها بشكل كبير نتيجة شحّ السيولة أو إعادة تنظيم السياسات الائتمانية.
وحدد القرار ضوابط جديدة تستهدف الموظفين الدائمين في الدولة وأيضاً في القطاعات المشتركة والتعاونية، فضلاً عن الموظفين العاملين في النقابات والمنظمات الشعبية ممن مضى على اشتراكهم في التأمينات الاجتماعية عام كامل على الأقل.
ويأتي هذا القرار في الوقت الذي تشهد فيه الأسواق السورية ارتفاعات وقفزات كبيرة في الأسعار، مما يجعل من القروض الاستهلاكية واحدة من أبرز الوسائل التي من الممكن أن يعتمد عليها الموظفون بهدف تغطية نفقاتهم الأساسية أو تسديد الالتزامات المتراكمة عليهم خاصة أن الرواتب ما تزال ضعيفة مقارنة بمعدلات التضخم الحالية وتقلبات السوق المحلية.
سقف القرض وآلية السداد
وفقاً للتفاصيل التي نشرها المصرف فإن سقف قروض الدخل المحدود في سوريا يصل إلى 100 ألف ليرة سورية جديدة أي ما يعادل 10 ملايين ليرة سورية قديمة وتمتد فترة التسديد حتى 36 شهراً (3 سنوات).
وأوضح المصرف أن قيمة القرض يتم حسابها على أساس 40% من الأجر الشهري المقطوع بعد خصم الالتزامات المالية الأخرى، على أن يتم تسديد الأقساط من خلال الحسم الشهري المباشر من راتب الموظف المقترض بناءً على تعهد رسمي صادر عن الجهة التي يعمل لديها الموظف.
شروط الحصول على قرض الدخل المحدود وفوائده
حدّد مصرف التسليف الشعبي مجموعة من الشروط الأساسية للحصول على القرض وأبرز هذه الشروط أن يكون المتقدم عاملاً دائماً في جهة عامة أو مشتركة وأن يكون قد مضى على اشتراكهم بالمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية مدة عام على الأقل، كما يشترط وجود كفيلين من العاملين في الدولة بهدف تغطية الأقساط وفق النسب المحددة.
أما بالنسبة للوثائق المطلوبة فتشمل:
- طلب قرض وفق النموذج المعتمد لدى المصرف.
- صورة عن البطاقة الشخصية
- بيان الأجر الخاص بالمقترض والكفلاء يتم توقيعه من محاسب الإدارة أو المدير المالي.
- تعهد الحسم الشهري بعد الموافقة على التمويل يتم توقيعه من محاسب الإدارة أو المدير المالي.
- وتعتبر هذه الشروط جزءاً من سياسة المصرف لتقليل المخاطر وضمان استقرار عمليات الإقراض خلال المرحلة المقبلة.
ويبلغ معدل الفائدة على القروض قصيرة الأجل التي لا تتجاوز مدتها سنة واحدة 9%، فيما تصل الفائدة إلى 9.5% للقروض المتوسطة الأجل التي تمتد حتى ثلاث سنوات، مما يمنح قروض الدخل المحدود في سوريا أهمية إضافية بالنسبة لفئة الموظفين وأصحاب الرواتب المحدودة.
خطوات تمهيدية داخل المصرف سبقت استئناف منح القروض
قبل أسابيع من الإعلان الرسمي عن استعادة عملية منح القروض كان قد كشف مدير مصرف التسليف الشعبي عدنان حسن أن المصرف كان يعمل على تحديث التعليمات التنفيذية الخاصة بقروض ذوي الدخل المحدود بالتنسيق مع مصرف سوريا المركزي وذلك تمهيداً لإعادة إطلاقها بعد استكمال الموافقات اللازمة.
وأشار المصرف حينها إلى أن استئناف القروض سيكون ضمن خطة متكاملة لتطوير العمل المصرفي وتوسيع خدماته التي يتم تقديمها للأفراد ليتم ذلك بشكل متوازي مع تحديثات الأنظمة الداخلية وتحسين البنية التقنية للمصرف.
ما هي المصارف التي استأنفت منح القروض في سوريا؟
تشهد القروض في سوريا خلال العام الحالي عودة تدريجية بعد فترة طويلة من التوقف، حيث بدأت بعض المصارف الحكومية بإعادة تفعيل برامج التمويل التي توجه إلى الأفراد وأصحاب الدخل المحدود.
وإلى جانب مصرف التسليف الشعبي كان المصرف التجاري السوري قد أعلن في تموز الماضي 2025 عن إطلاقه قرضاً شخصياً جديداً مخصصاً للأفراد تصل قيمته إلى 4 ملايين ليرة سورية، يتم منحه بضمانة كفيل أو اثنين حسب مستوى الدخل والقدرة على السداد.
ويتم تقديم هذا القرض بمعدل فائدة سنوي يبلغ 12% للقروض قصيرة الأجل لمدة سنة واحدة، ويرتفع إلى 14% للقروض التي تمتد إلى سنتين.
كما تعمل المصارف الحكومية على دراسة بعض التسهيلات التمويلية التي ترتبط بالإنتاج والسكن والزراعة، ضمن خطة حكومية لإعادة تنشيط الحركة الاقتصادية وتحسين السيولة داخل الأسواق المحلية.
تسهيلات لمعالجة القروض المتعثرة ودعم الاستقرار المالي
يُذكر أن وزارة المالية في سوريا قد أصدرت خلال الأسابيع الماضية التعليمات التنفيذية للمرسوم رقم 70 لعام 2026 الخاص بالقروض والتسهيلات الائتمانية المتعثرة الممنوحة من المصارف الحكومية، في خطوة كان هدفها وضع آلية مرنة لتسوية الالتزامات المالية القديمة من خلال إعادة الجدولة ومنح التسهيلات التي تتعلق بالغرامات والفوائد بشكل يخفف من الأعباء على المقترضين ويساعدهم على تسديد ديونهم بشكل منظم.
أما الهدف الأساسي لهذه الإجراءات فهو التوجه الحكومي نحو تعزيز الاستقرار المالي داخل المصارف العامة من خلال استعادة بعض السيولة المجمدة في القروض المتعثرة وإعادة توجيهها نحو تمويلات جديدة تدعم الإنتاج والأفراد بما يسهم بشكل كبير في تنشيط الدورة الاقتصادية بشكل تدريجي وبالتالي ينعكس بشكل إيجابي على قدرة المصارف على التوسع في منح القروض.
قروض الدخل المحدود في سوريا بين الحاجة والقدرة على السداد
على الرغم من الترحيب الذي شهده قرار عودة قروض الدخل المحدود إلا أن فعالية هذه القروض ستبقى مرتبطة بمستوى الرواتب وقدرة العاملين على الالتزام بالسداد وسط ارتفاع تكاليف المعيشة.
وفي هذا الصدد، أوضحت السيدة سمر عبود لموقع سوريا اليوم 24 أن “القرض الذي يبلغ عشرة ملايين كان في سنوات سابقة كافياً لشراء منزل أما اليوم فقد بات لا يغطي سوى جزء محدود من الاحتياجات المعيشية لعدة أشهر خاصة مع الارتفاع الكبير في تكاليف الحياة وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين.”
أما المواطن أبو عزيز فأكد أنه “لا يحق لغير العاملين في الدولة التقدم للحصول على قروض الدخل المحدود مما يعني أن شريحة واسعة من المواطنين خارج التمويل المصرفي الرسمي، وهذا ما يزيد من حدة الضغوط المعيشية عليهم على الرغم من أنهم جزءاً من النسيج الاجتماعي المتأثر مباشرة بالظروف الاقتصادية.”
وبناء على ذلك، تبدو عودة قروض الدخل المحدود في سوريا خطوة جيدة إلا أنها ما تزال محكومة بحدود الواقع الاقتصادي، فما بين شروط الاستفادة المحددة من جهة وبين ارتفاع الأعباء المعيشية من جهة أخرى، يبقى أثر هذه القروض مرتبطاً بمدى قدرتها على توفير احتياجات المواطنين بشكل فعلي لا مجرد توفير تمويل مؤقت يخفف الضغط لفترة قصيرة.
اقرأ أيضاً: فجوة الدخل تتزايد.. هل يستطيع محدودو الدخل في سوريا تحمل تكاليف البقاء!