بقلم: ريم ريّا
تعيش مدينة ترحين، الواقعة قرب مدينة الباب في محافظة حلب شمال شرق البلاد، حالة من التوتر والقلق عقب قرار إغلاق حراقات النفط البدائية التي كانت، خلال سنوات الحرب، المصدر الرئيسي لدخل آلاف العائلات. وبينما تقول السلطات المحلية أن هذا الإجراء يهدف إلى الحد من التلوث وتنظيم قطاع النفط بمعايير أكثر صرامة، يخشى العمال أن يؤدي إلى أزمة اقتصادية واسعة النطاق في منطقة تعاني أصلاً من البطالة وانعدام الفرص الاقتصادية. ولا تقتصر المشكلة على مرافق التكرير البدائية فحسب، بل تمتد لتشمل مدينة بأكملها كان اقتصادها يعتمد على الدخان الأسود وخزانات الوقود، أُجبرت فجأة على التوقف عن جميع أنشطتها وإعادة بناء نفسها في غضون أيام.
احتجاجات الغضب للحراقات في ترحين.. الخوف من فقدان مصدر الرزق
شهدت منطقة ترحين في الأيام الأخيرة احتجاجاتٍ نظّمها أصحاب حراقات النفط والعاملون فيها، رافضين قرار إغلاقها نهائياً. ويطالبون ببدائل ملموسة أو تعويضات عادلة قبل تنفيذ القرار. ويؤكد المحتجون أن آلاف العائلات تعتمد بشكل مباشر أو غير مباشر على هذا القطاع، إما من خلال العمل في المصافي نفسها أو من خلال أنشطة مرتبطة بها كالنقل والصيانة والتجارة.
ويشدد أصحاب الحراقات على أنهم لا يعارضون تنظيم القطاع أو تطويره، بل يطالبون بخطة انتقالية واضحة للحفاظ على مصادر رزقهم. ويشير كثيرون إلى أن الحراقات لم تعمل خارج القانون في السنوات الأخيرة، بل كانت خاضعة للوائح والتراخيص الصادرة عن السلطات التي كانت تدير المنطقة سابقاً، بما في ذلك حكومة الإنقاذ الوطني والحكومة المؤقتة.
ويوضح العمال أنهم استثمروا كل ما يملكون في هذا القطاع، فباع بعضهم منازلهم أو أراضيهم، بينما اقترض آخرون أو دخلوا في شراكات مع عدة عائلات لإنشاء مصفاة واحدة. ووفقاً لتقديرات أصحاب المصافي، يتجاوز عدد الحراقات في ترحين ألفي حراقة، تبلغ تكلفة كل منها عشرات آلاف الدولارات. يتهم بعض المتظاهرين جهات وشركات معينة بمحاولة احتكار سوق النفط والمنتجات المكررة عبر إغلاق الحراقات الصغيرة وتركيز القطاع في أيدي مجموعة صغيرة من المستثمرين. ورغم صعوبة التحقق من هذه الاتهامات بشكل مستقل، إلا أنها تعكس حالة من انعدام الثقة والخوف واسعة النطاق بين العاملين في هذا القطاع، لا سيما في ظل حالة عدم اليقين التي تكتنف مستقبلهم المهني.
اقرأ أيضاً: بين لقمة العيش وحماية البيئة: الحراقات البدائية تشعل الخلاف في دير الزور
من اقتصاد الحرب إلى معضلة التنظيم
ظهرت حراقات النفط خلال سنوات الحرب كملاذ أخير لضمان إمدادات الوقود في المناطق التي انهارت بنيتها التحتية وانقطعت عنها مصادر الطاقة الرسمية. ومع تزايد الطلب على الوقود، توسع هذا القطاع تدريجياً، ليصبح نشاطاً اقتصادياً حيوياً يعتمد عليه السكان المحليون لتشغيل المولدات والأفران والآلات الزراعية ووسائل النقل.
يعتقد العديد من العاملين أن هذه الحراقات لعبت دوراً حاسماً في بقاء المناطق الخارجة عن سيطرة النظام السابق، على الرغم من الأضرار البيئية والصحية الجسيمة، فضلاً عن المخاطر التشغيلية. ويؤكد مالكو الحراقات أنهم عملوا في ظروف بالغة الصعوبة، تحت التهديد المستمر بالقصف والهجمات الموجهة، ولم ينظروا إلى القطاع كمجرد عمل تجاري، بل كجزء من “اقتصاد الضرورة” الذي فرضته الحرب ونزوح السكان وانعدام البدائل.
من جهة أخرى، ترى شركة النفط السورية أن الإبقاء على هذه المصافي في وضعها الراهن لم يعد مجدياً بسبب التلوث البيئي والمخاطر الصحية والحرائق المتكررة الناجمة عن عمليات التكرير البدائية، فضلاً عن الحاجة إلى إعادة تنظيم قطاع النفط ضمن مؤسسات رسمية ووفقاً لمعايير سلامة أكثر صرامة.
يرى الخبراء أن السلطات تواجه معضلة معقدة. فمن جهة، لا بد من وقف عمليات التكرير الأولية والحد من آثارها الضارة، ومن جهة أخرى، قد يجد آلاف العمال أنفسهم فجأة عاطلين عن العمل في منطقة تعاني من هشاشة اقتصادية.
حلول حكومية ومحاولات لاحتواء الأزمة
لتهدئة الاحتجاجات، أعلنت شركة النفط السورية الحكومية بدء مقابلات لتوظيف عدد من العاملين في الحراقات، ووعدت بتعويضات مالية لأصحاب الحراقات المتضررة. كما شكّلت لجنة للإشراف على عملية التعويض. ومن المقرر عقد اجتماعات مع وزارة الطاقة لمناقشة آليات الانتقال التدريجي إلى قطاع نفطي أكثر تنظيماً.
يطالب المحتجون بحلول تشمل تعويضات عادلة تتناسب مع الاستثمارات التي أجريت في السنوات الأخيرة، بالإضافة إلى توفير فرص عمل بديلة لاستيعاب آلاف العمال العاملين حالياً في القطاع. بينما يرى المراقبون أن قدرة الدولة على إدارة هذه الأزمة ستعتمد على براعتها في تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن واللوائح التنظيمية من جهة، والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي من جهة أخرى.
فالإغلاق المفاجئ، دون بدائل واضحة، قد يدفع المزيد من الأسر إلى براثن الفقر والبطالة، بينما قد يسهم إعادة التنظيم التدريجي، المدعوم بالتعويضات وفرص العمل، في تخفيف حدة التوترات وإعادة دمج العمال في قطاع أكثر استقراراً.
في ترحين، لا تعد حراقات النفط مجرد منشآت نفطية مؤقتة، بل هي شاهد حيّ على سنوات من الحرب، ونزوح السكان، واقتصاد موازٍ نشأ من رحم الضرورة. وبين وعود الدولة ومخاوف السكان، يبقى السؤال المُلح: هل يمكن تفكيك اقتصاد الحرب دون أن يتحمّل العمال العاديون وطأة العواقب؟