ياسر أبو زيد: رحلة شاب سوري من شغف البرمجة إلى إنجازات عالمية

ياسر أبو زيد: رحلة شاب سوري من شغف البرمجة إلى إنجازات عالمية

أجرت المقابلة: هلا يوسف

في زمن أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي هدفاً لكثير من المراهقين والشباب، وأصبح البحث عن الشهرة السريعة مطلباً عند الكثير من مقبلي الحياة، تبرز بين حين وآخر قصص قليلة مختلفة، قصص تفرض نفسها بقوة وتستحق أن تروى.

ياسر أبو زيد، شاب سوري يبلغ من العمر 17 سنة، استطاع أن يجمع بين التفوق الدراسي والإنجاز البرمجي في سن مبكرة، وأن يترك بصمة واضحة في مسابقات عالمية في الرياضيات والبرمجة.

لم تكن رحلته عادية، بل كانت مليئة بالتجارب والتحديات التي ساعدته على تطوير نفسه، بدءاً من أول خطواته في البرمجة وهو في سن التاسعة، مروراً بدخوله برامج تعليمية متقدمة، وصولاً إلى مشاركته في مسابقات عالمية وتحقيقه مراكز متقدمة بين ملايين المشاركين من مختلف دول العالم.

في هذه المقابلة، يفتح ياسر قلبه ليحكي لمتابعي «سوريا اليوم24» عن بدايته، ومحطات التحول في مسيرته، وكيف أصبح أصغر قائد فريق في برنامج متخصص بالبرمجة، وما الذي يدفعه للاستمرار في التعلم والطموح رغم صغر سنه.

كما يتحدث عن نظرته لمستقبل الذكاء الاصطناعي في مجال البرمجة، والمشكلات التي يراها في عالم المطورين اليوم، بالإضافة إلى مشروعه الخاص الذي يسعى من خلاله إلى جعل التعليم البرمجي متاحاً للجميع دون استثناء.

إنها ليست مجرد قصة نجاح مبكرة، بل هي رحلة شاب يؤمن أن المعرفة مسؤولية، وأن الطموح لا يعرف عمراً، وأن البداية الحقيقية دائماً تكون من فكرة صغيرة يمكن أن تصنع فرقاً كبيراً في المستقبل.

1. للأشخاص الذين لا يعرفون الشاب ياسر أبو زيد، كيف تعرفهم بنفسك؟

أنا ياسر أبو زيد، شاب سوري عمري 17 سنة، من مدينة دمشق، وأنا حالياً أدرس في الصف الثالث الثانوي. أما من ناحية تعريفي المهني، فأنا أعمل كمبرمج شامل Full-stack.

خلال مسيرتي شاركت في عدد من المسابقات العالمية وحققت فيها نتائج متقدمة. فقد حصلت على الميدالية الذهبية في مسابقة كانجارو العالمية وحققت العلامة الكاملة 120 من 120، وكان عدد المتسابقين حوالي 6.5 مليون من 120 دولة حول العالم.

كما حققت المركز الأول عالمياً في مسابقة Purple Comet Math Meet مع العلامة الكاملة 30 من 30، وبمشاركة حوالي 4800 فريق من مختلف الدول.

إضافة إلى ذلك، حصلت على مراكز متقدمة عالمياً، من بينها المركز السابع والثامن في ثلاثة أنماط مختلفة من المعادلات البرمجية في مسابقة جامعة Carnegie Mellon University في الرياضيات والبرمجة.

وبشكل عام، لدي طموح كبير أن أستمر في تطوير نفسي في مجال البرمجة، وأن أستثمر هذه الخبرات لاحقاً في خدمة وطني، والعودة إلى سوريا والمساهمة في تطويرها بعد الظروف التي مرت بها.

2. متى اكتشفت موهبتك في البرمجة؟ وما الشيء الذي تعتبره نقطة التحول الأكبر في رحلتك؟

بدأت رحلتي مع البرمجة عندما كان عمري 9 سنوات، وكنت في ذلك الوقت مثل أي طفل في هذا العمر، لدي شغف كبير بالألعاب الإلكترونية.

والدي لاحظ هذا الاهتمام المبكر بالألعاب، فقام بتوجيهي بشكل مباشر نحو مجال البرمجة، وخاصة في مجال برمجة الألعاب، حتى أستفيد من هذا الشغف بطريقة تعليمية ومفيدة.

في البداية كان الأمر ممتعاً وبسيطاً جداً بالنسبة لي، وكنت أتعلم خطوة خطوة، ومع الوقت بدأت أطور نفسي بشكل أكبر وأعمق، وكان والداي هما الداعمين الأكبر لي في هذه الرحلة.

أما نقطة التحول الأكبر في حياتي المهنية فكانت عندما التحقت ببرنامج Active ADSE، وهو دبلوم متقدم في علوم البرمجة، ومتعامل مع جامعات بريطانية.

من خلال هذا البرنامج تعلمت العديد من الأساسيات والمتقدمات، مثل برمجة المواقع، وهياكل البيانات، وبرمجة الكائنات الشيئية. هذا البرنامج كان نقطة تحول حقيقية في مستواي وفهمي للبرمجة، لأنه نقلني من مرحلة التعلم البسيط إلى مرحلة أكثر احترافية وعمقاً.

3. كيف أصبحت أصغر قائد فريق في برنامج ADSE؟ وكيف استطعت تحقيق المركز الأول عالمياً في العديد من المسابقات؟

في برنامج ADSE كان لدينا مشروع تخرج نهائي، وكان اختيار قائد الفريق يعتمد على عدة عوامل مهمة، مثل الخبرة البرمجية، وفهم الخوارزميات، وفهم طريقة تخزين البيانات، بالإضافة إلى إتقان إطار العمل React Framework. وهذا الإطار هو من أشهر وأقوى أطر العمل لتطوير واجهات المواقع على مستوى العالم.

من ناحية React كنت من المتفوقين جداً، رغم أنني كنت أصغر طالب في البرنامج بأكمله، حيث كان بعض المشاركين أكبر مني بكثير، إذ كان بينهم من يبلغ 31 سنة، بينما كان عمري 15 سنة فقط.

ورغم هذا الفارق العمري، كنت من الأكثر فهماً لمجال React، إضافة إلى أن لدي خبرة سابقة في القيادة، وهذا ما جعل الفريق يرشحني، كما أن الحكام اعتمدوا هذا الترشيح واختاروني قائداً للفريق.

أما بالنسبة لإنجازاتي العالمية، فجاءت نتيجة مزيج من الدراسة المستمرة، والجهد الكبير، والتدريب العملي، والمثابرة في البرمجة وحل المسائل. وصحيح أن الطريق لم يكن سهلاً، لكنه كان يتطور مع الوقت والتجربة.

أنا أيضاً حاصل على المركز الأول عالمياً في الرياضيات، وأعمل كمدرس معتمد عالمياً للمنهج الأمريكي للرياضيات، وكذلك مدرس معتمد لاختبار SAT الأمريكي، وهو اختبار القبول الجامعي في أمريكا، ويشمل الرياضيات واللغة الإنجليزية.

هذا الجانب الأكاديمي في الرياضيات ساعدني كثيراً في تطوير تفكيري، كما أن بدايتي المبكرة في البرمجة منحتني خبرة واسعة وعميقة، خصوصاً عند المشاركة في المسابقات العالمية.

4. ما أكثر ثغرة تراها منتشرة بين المطورين برأيك؟

من أكثر الثغرات المنتشرة بين المطورين في الوقت الحالي هي الاعتماد الزائد على الذكاء الاصطناعي بعد انتشاره بشكل واسع. فبرأيي، الذكاء الاصطناعي أداة قوية ومفيدة جداً، لكنه يجب أن يكون مساعداً للمطور وليس بديلاً عنه.

أحد أكبر أضرار الاعتماد الكامل عليه هو فقدان الإبداع البشري، حيث يبدأ المطور بالاعتماد على الحلول الجاهزة، مما يؤدي إلى تراجع التفكير الإبداعي والحس البرمجي الحقيقي، وتحول العمل إلى شيء آلي بالكامل، وهذا يؤثر على جودة المشاريع ويحد من الابتكار.

إضافة إلى ذلك، هناك نقطة مهمة وهي أن الأكواد التي يتم توليدها باستخدام الذكاء الاصطناعي تكون معرضة للمخاطر بنسبة أعلى من الأكواد التقليدية بحوالي 43%، وهذا قد يشكل تهديداً حقيقياً على الأنظمة والشركات التي تعتمد عليه بشكل كامل.

5. ما المشكلة العالمية التي تتمنى العمل على حلها؟

واحدة من أهم المشاكل التي أعمل على محاولة حلها هي ضعف الوصول إلى الفرص التعليمية والبرمجية في بعض الدول، مثل سوريا، حيث لا تتوفر مسابقات برمجية أو منصات تعليمية متقدمة بشكل كاف. لهذا السبب أعمل حالياً على مشروع اسمه Outcode، وهو مشروع ما زلت أعمل على تطويره.

فكرة المشروع هي إنشاء منصة توفر مسابقات ودورات وبرامج تعليمية في جميع مجالات البرمجة، بحيث تكون متاحة لأي شخص في أي مكان في العالم. والجدير بالذكر أن هذا المشروع غير ربحي، وهدفه الأساسي هو نشر المعرفة وإتاحة الفرص للجميع.

كما يتيح المشروع أيضاً للآباء والمعلمين ومديري المدارس إنشاء مسابقات خاصة لطلابهم، مع نظام يعتمد على تقنيات WebRTC للاتصال، إضافة إلى نظام مراقبة بالذكاء الاصطناعي يعمل بشكل تلقائي، ليكون قريباً من أنظمة المسابقات العالمية.

6. نصائح تقدمها للراغبين في دخول مجال البرمجة؟

أنصح أي شخص يريد دخول مجال البرمجة بأن يبدأ أولاً بتعلم اللغة الإنجليزية، لأن البرمجة تعتمد بشكل أساسي على اللغة الإنجليزية، سواء في كتابة الكود أو فهمه.

كثير من الناس يعتقدون أن البرمجة تعتمد على الحفظ، لكن الحقيقة أنها تعتمد على الفهم. يمكنك أن تحفظ شكل الكود في البداية، لكن إذا لم تفهمه فلن تستطيع الاستمرار فيه أو تطوير نفسك، وستنساه بسرعة إذا لم تستخدمه.

كما أنصح المبتدئين بالبدء بلغات برمجة عالية المستوى (High level languages)، لأنها أسهل في التعلم ولا تحتوي على تعقيدات كبيرة في إدارة الذاكرة أو الخوارزميات المعقدة.

ومن أفضل هذه اللغات للمبتدئين: Python، وJavaScript، وC، أو غيرها من اللغات المناسبة للبدء، لأنها تساعد على بناء أساس قوي في البرمجة بشكل تدريجي وواضح.

7. كيف تدير وقتك بين الدراسة والمشاريع؟

أحاول تنظيم وقتي بطريقة بسيطة وفعالة. من ناحية الدراسة، فهي لا تأخذ مني وقتاً كبيراً، لأنني أخصص عادة حوالي ساعة للمراجعة، أقوم فيها بمراجعة ما درسته وتثبيت المعلومات في ذهني. كما أنني خلال الحصة الدراسية أركز بشكل كبير مع الأستاذ، وأحاول أن أفهم وأطبق مباشرة أثناء الشرح.

هذا الأسلوب يساعد كثيراً، لأن أي معلومة يتم تعلمها دون تطبيق غالباً يتم نسيانها بسرعة، خصوصاً في المواد مثل الرياضيات. لذلك أرى أن التركيز أثناء الدرس، والمشاركة في الحل، والكتابة مع الأستاذ، كلها أمور تختصر الكثير من الوقت لاحقاً وتقلل الحاجة إلى دراسة طويلة.

8. ما هي خططك بعد الحصول على الشهادة الثانوية ودخول الجامعة؟

بعد إنهاء المرحلة الثانوية، هدفي هو إكمال دراستي الجامعية في مجال البرمجة في جامعة قوية ومتقدمة. وقد تقدمت بالفعل إلى عدة جامعات خارجية من بين أفضل الجامعات في هذا المجال، مثل جامعة UIUC في الولايات المتحدة، والتي تعتبر من الجامعات القوية في العلوم البرمجية، وجامعة تورونتو في كندا، وجامعة واترلو، والتي تعد من أفضل البرامج التطبيقية في البرمجة على مستوى العالم.

وقد حصلت بالفعل على قبول في هذه الجامعات، لكن التحدي الحالي هو القدرة على تحمل تكاليف الدراسة أو السفر، وهذا ما قد يعيق استكمال هذه الخطوة، رغم أنني حصلت على القبول الأكاديمي فيها.

في نهاية هذه المقابلة، تبقى قصة ياسر أبو زيد مثالاً لشاب بدأ من شغف بسيط، لكنه استطاع مع الوقت والاجتهاد أن يحول هذا الشغف إلى إنجازات حقيقية على مستوى عالمي. وبين الطموح والعمل، تبقى قصته واحدة من القصص التي تلهم كل شاب يحاول أن يجد طريقه في هذه الحياة.

اقرأ أيضاً: شهد سلامة.. بين كرة القدم والإنستغرام شغف لا يعرف المستحيل

المدير العام

بقلم: المدير العام

كاتب ومحرر في سوريا نيوز. تغطية شاملة للأحداث لحظة بلحظة.