بقلم هلا يوسف
في الوقت الذي تتحول فيه بعض الصفحات والحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي أماكن للمحاسبة والمساءلة، لم تعد القضايا العامة تمر بصمت كما في السابق، بل أصبحت تجد طريقها بسرعة للوصول إلى الجمهور وتتحول إلى موضوع رأي عام خلال وقت قصير. ومن بين هذه القضايا، برزت حملات التبرع المرتبطة بإعادة الإعمار في سوريا، وما رافقها من تعهدات مالية لم يتم تنفيذها بالكامل بعد. لذلك ظهرت حملة “هاتوا الفلوس يلي عليكو” التي أطلقها الناشط ومخرج الأفلام السوري حسان عقاد، لتفتح باب النقاش حول هذه التعهدات ومدى الالتزام بها، وتضع هذا الملف على مرأى ومسمع المواطنين والحكومة في نفس الوقت.
كيف بدأت فكرة الحملة
تعود بداية الفكرة إلى قيام حسان عقاد بزيارة موقع صندوق التنمية السوري، حيث لاحظ وجود قسم خاص يحمل اسم “الديون المعلقة”، وهو قسم يعرض أسماء أشخاص وجهات تعهدوا بدفع أموال لصالح مشاريع إعادة الإعمار لكن لم يتم تسديدها حتى ذلك الوقت.
يقول عقاد إنه تفاجأ بوجود عدد من الأسماء، بعضها يعود لمسؤولين وشخصيات معروفة، بالإضافة إلى مبالغ مالية مختلفة منها مبالغ صغيرة وأخرى كبيرة جداً. هذا الأمر جعله يتساءل عن سبب عدم دفع هذه الأموال رغم مرور وقت طويل على التعهد بها، خاصة أن هذه التبرعات كانت مرتبطة بأحداث وحملات عامة أمام الناس.
بعد ذلك قرر أن يبدأ حملة عبر مواقع التواصل الاجتماعي مستخدماً أسلوب الفيديوهات القصيرة، حيث يخاطب الأشخاص بشكل مباشر وبطريقة ساخرة، بهدف تذكيرهم بتعهداتهم ودفعهم للتفاعل مع الموضوع، وليس بهدف الهجوم أو التصعيد حسب ما يذكر.
التبرعات والأسماء التي ظهرت في الحملة
بدأت الحملة بنشر مقاطع فيديو يظهر فيها عقاد وهو يوجه رسائل إلى أشخاص وردت أسماؤهم في قائمة التعهدات غير المسددة. من بين هذه الأسماء وزير التنمية الإدارية محمد حسان السكاف الذي تعهد بدفع 1000 دولار، ووزير المالية يسر برنية الذي تعهد بمبلغ 3500 دولار، ومحافظ حماة عبد الرحمن السهيان الذي تعهد بدفع 10 آلاف دولار.
كما تحدث عن تعهد كبير لرجلي الأعمال أحمد وعمر حمشو بمبلغ وصل إلى مليون دولار، مشيراً في رسالته إليهما إلى أن هذا التعهد لم يتم دفعه بعد رغم الإعلان عنه خلال فعالية تبرع. بالإضافة إلى ذلك، ذكر تعهداً آخر بقيمة 200 دولار لمدير مكتب وزارة الأوقاف في طرطوس.
هذه المقاطع انتشرت بسرعة على مواقع التواصل الاجتماعي، لأن أسلوبها كان مختلفاً عن الخطاب الرسمي، حيث جمع بين التذكير الجاد والطريقة الساخرة، مما جعلها محط اهتمام ومتابعة من الجمهور.
التفاعل مع الحملة والاستجابات الأولى
مع انتشار الحملة، بدأ الناس يتفاعلون معها بشكل كبير، حيث رأى البعض أنها طريقة جديدة للضغط على المتعهدين من أجل الالتزام بوعودهم، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد. في المقابل، اعتبر آخرون أن هذا النوع من المتابعة يجب أن يكون من مسؤولية الجهات الرسمية وليس الأفراد.
ومن أبرز النتائج التي حصلت عليها الحملة، أن وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل هند قبوات قامت بدفع مبلغ 500 دولار بعد تواصل مباشر معها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما اعتبر أول استجابة عملية للحملة. كما تم التواصل مع الإعلامي موسى العمر بخصوص تعهد مالي بقيمة 10 آلاف دولار مرتبط بحملة في حمص، حيث أبدى استعداداً لتسديد المبلغ.
كما أوضح عقاد أن الحملة لا تقتصر على محافظة واحدة، بل تشمل جميع المحافظات السورية، وأن هناك فريقاً من المتطوعين يساعد في متابعة المعلومات ونشرها. ويؤكد أن الهدف الأساسي هو التذكير بالالتزامات المالية التي تم الإعلان عنها سابقاً، وليس التصعيد أو الإحراج.
موقف صندوق التنمية السوري
بينما أصدر صندوق التنمية السوري بياناً رسمياً أوضح فيه أنه لم يفوض أي شخص أو جهة لجمع التبرعات باسمه خارج القنوات الرسمية. كما أكد أن جميع التبرعات تتم عبر حسابات مصرفية معتمدة فقط، وأنه يعتمد نظام تحويلات رسمي يضمن توثيق العمليات المالية.
كما دعا الصندوق المواطنين إلى توخي الحذر من الحسابات غير الرسمية، وذكر أن لديه قنوات خاصة للإبلاغ عن أي حالات غير موثوقة، إضافة إلى نظام إصدار شهادات رسمية لكل متبرع الضمان الشفافية.
عقاد والتأثير في الحكومة البريطانية
لم تكن المرة الأولى التي يؤثر فيها الناشط والمخرج السوري حسان العقاد في الحكومات، فقد استطاع أن يحقق أثراً ملموساً في السياسة العامة في بريطانيا من خلال نشاطه عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث ساهم في دفع الحكومة إلى تعديل قرار كان يستثني بعض العاملين الأجانب في هيئة الخدمات الصحية الوطنية من برنامج التعويضات المرتبط بجائحة كوفيد-19، وذلك بعد نشره رسالة مصورة أثارت تفاعلاً واسعاً وأدت إلى تغيير السياسة خلال وقت قصير.
في النهاية، من خلال حملة “هاتوا الفلوس يلي عليكو” أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي وسيلة للضغط والمتابعة العامة، خاصة في القضايا المالية التي تهم الناس بشكل مباشر. وفي الوقت الذي يرى فيها البعض وسيلة بسيطة لتذكير المسؤولين بوعودهم، هناك من يعتقد أن دورها يجب أن يكون رسمياً، وتبقى الحملة مثالاً على تغير طريقة النقاش العام في سوريا، حيث أصبح الفضاء الرقمي جزءاً من متابعة الشأن العام وإثارة الأسئلة حول الشفافية والالتزام.
اقرأ أيضاً: حملات التمويل الجماعي في سوريا بين تجارب الشرق والغرب