بقلم: ريم ريّا
تشهد محافظة الحسكة أحد أفضل مواسم حصاد الشعير في السنوات الأخيرة. وقد بدأ الحصاد في المناطق الريفية الجنوبية والشرقية، حيث تعدّ المحاصيل استثنائية مقارنةً بالسنوات السابقة. ويأتي هذا التحسن عقب سلسلة من موجات الجفاف والركود الزراعي التي أثرت على المحاصيل الاستراتيجية في المنطقة، مما يجعل هذا الموسم بالغ الأهمية للمزارعين والتجار ومربي الماشية. وتشير التقديرات الزراعية إلى إنتاج يبلغ حوالي 600 ألف طن، مما يدل على انتعاش قوي للقطاع الزراعي في المحافظة، الذي يعتبر أحد أهم مصادر الغذاء في سوريا.
أمطار غزيرة ساعدت موسماً استثنائياً من الشعير في الحسكة
يرتبط نجاح هذا الموسم ارتباطاً وثيقاً بالظروف المناخية المواتية التي شهدتها محافظة الحسكة خلال فصلي الشتاء والربيع. فقد ساهمت الأمطار الغزيرة والثلوج في الحفاظ على مستويات رطوبة التربة المثلى طوال موسم زراعة الشعير. كما عزز هطول الأمطار، الذي استمر لفترة طويلة خلال الموسم، نمو الحبوب، مما أدى إلى تحسين جودتها وزيادة المحصول. ووفقاً للسلطات الزراعية، لم تشهد المحافظة مستويات إنتاج مماثلة منذ ثمانينيات القرن الماضي، حيث حققت بعض الحقول إنتاجية تقارب 500 كيلوغرام للدونم (حوالي 0.25 فدان)، وهي أرقام استثنائية للزراعة البعلية. بالإضافة إلى ذلك ، ساهم انخفاض معدل الإصابة بالأمراض والآفات في الحفاظ على صحة المحاصيل وتقليل الخسائر.
اقرأ أيضاً: رقمنة تسويق القمح في حلب.. خطوة لتعزيز الأمن الغذائي وتقليص الهدر
محصول استراتيجي يدعم الأمن الزراعي
لا يعدّ الشعير محصولاً واسع الانتشار فحسب، بل هو أيضاً ركيزة أساسية للأمن الزراعي في منطقة الجزيرة السورية. ويتميز بمقاومته العالية للظروف المناخية القاسية مقارنةً بالمحاصيل الأخرى، كما يُشكّل مصدراً حيوياً للبذور للمواسم القادمة. تزرع مئات الآلاف من الهكتارات بالشعير في الحسكة، ما يعني أن أي تحسين في إنتاجه يؤثر بشكل مباشر على الدورة الزراعية في المنطقة. يتيح هذا الموسم للمزارعين فرصة تعويض بعض الخسائر التي تكبدوها في السنوات السابقة، مع تعزيز مخزون البذور المحلي في الوقت نفسه، ودعم استقرار الإنتاج الزراعي للمواسم المقبلة.
يتوقع أن يكون لحصاد الشعير الاستثنائي تداعيات اقتصادية تتجاوز القطاع الزراعي، إذ يتوقع أن يؤثر إيجاباً على تربية المواشي، التي تعدّ من أهم الأنشطة الاقتصادية في الحسكة. ويترجم هذا الإنتاج الوفير إلى زيادة في إمدادات الأعلاف الحيوانية، وانخفاض في ضغط الأسعار الذي أثّر على مربي الأغنام في السنوات الأخيرة.
كما تتيح الكميات الكبيرة المنتجة فرصاً أفضل للتخزين والتسويق، لا سيما وأن الشعير يستخدم كبذور ويشهد طلباً متزايداً خلال مواسم الزراعة. وعلى الرغم من التحديات المستمرة المتعلقة بالحصاد والنقل وتكاليف الوقود، ينظر المزارعون إلى هذا الموسم كفرصة فريدة لتحسين دخلهم والتعويض جزئياً عن الخسائر التي تكبّدها القطاع الزراعي خلال سنوات الجفاف المتعاقبة.
حصاد الشعير في الحسكة: فجر عهد جديد للتنمية الزراعية
يبرهن حصاد الشعير لهذا العام في محافظة الحسكة على قدرة المنطقة على التعافي والازدهار رغم التحديات المناخية والاقتصادية الكبيرة التي واجهتها في السنوات الأخيرة. وتعكس هذه النتائج الاستثنائية، غير المسبوقة في المحافظة منذ عقود، ليس فقط أثر الأمطار الغزيرة والظروف المناخية المواتية على المحاصيل، بل أيضاً نجاح برامج الدعم والتدريب المنفذة لمساعدة المزارعين على تحسين إنتاجيتهم وجودة محاصيلهم.
يمثل هذا الموسم بداية جديدة لتعزيز الأمن الغذائي وزيادة فرص الاستقرار الاقتصادي في الحسكة، لا سيما بالنظر إلى العلاقة الوثيقة بين الشعير والأنشطة الأساسية كتربية المواشي، التي تعتمد بشكل كبير على الأعلاف المنتجة محلياً. كما يعطي هذا الحصاد الأمل للمزارعين الذين يعتمدون عليه لتعويض خسائر السنوات السابقة وتحسين دخلهم في ظل تزايد الصعوبات الاقتصادية وارتفاع تكاليف الإنتاج.في الوقت نفسه، يبرز هذا الموسم الأهمية الاستراتيجية للشعير كمنتج زراعي مقاوم لتغير المناخ.
فهو يعزز التنويع الزراعي، ويمكن أن يكون عنصراً أساسياً في خطط التنمية المستدامة للمحافظة. لذا، من الضروري تكثيف جهود القطاعين العام والخاص للاستثمار في هذه الموارد الزراعية، وتحسين البنية التحتية والخدمات اللوجستية لضمان وصول المحصول إلى الأسواق، وتحقيق أقصى قيمة له.