بقلم هلا يوسف
لطالما كان نهر الفرات مصدر الحياة لسكان شرق سورية، إذ اعتمدت عليه المدن والقرى في الزراعة والشرب وتربية المواشي منذ مئات السنين. لكن خلال السنوات الأخيرة عانت المنطقة من انخفاض كبير في منسوب المياه بسبب الجفاف وتراجع التدفقات المائية، حتى أصبح الحديث عن نقص المياه وجفاف النهر من القضايا التي تشغل السكان بشكل دائم. ولذلك تعود السكان على التوسع السكاني والزراعي على ضفافه نتيجة الجفاف التي كشفت أجزاء واسعة منه. لكن ما حدث منذ أيام كان مختلفاً، إذ ارتفع منسوب مياه الفرات بشكل كبير خلال فترة قصيرة، واضطرت تركيا التي تعد المتحكمة في منبع المياه إلى فتح بوابات مفيض سد الفرات لتصريف كميات المياه الزائدة وحماية السد.
وقد أدى هذا الارتفاع إلى حدوث فيضانات في عدد من مناطق الرقة ودير الزور، مسببة أضراراً طالت المنازل والأراضي الزراعية ومحطات المياه. وأعادت هذه الأحداث الاهتمام بواقع نهر الفرات والتحديات التي تواجه إدارته، خصوصاً بعد الانتقال خلال سنوات قليلة من مشكلة الجفاف ونقص المياه إلى مشكلة الفيضانات وارتفاع المنسوب. لذلك في هذا المقال سنوضح أسباب الفيضانات الأخيرة، وأبرز الأضرار التي نتجت عنها، والإجراءات التي اتخذت لمواجهتها، بالإضافة إلى الدروس التي يمكن الاستفادة منها مستقبلاً.
أسباب ارتفاع منسوب نهر الفرات وحدوث الفيضانات
لم تكن الفيضانات نتيجة سبب واحد فقط، بل جاءت بسبب اجتماع عدة عوامل طبيعية وإدارية في وقت واحد. فقد شهدت مناطق منبع نهر الفرات في شرق تركيا خلال الشتاء الماضي كميات كبيرة من الأمطار والثلوج. وتراكمت الثلوج بكثافة في المرتفعات الجبلية قبل أن تذوب بسرعة خلال فصل الربيع نتيجة الأمطار الغزيرة وارتفاع درجات الحرارة، مما أدى إلى اندفاع كميات ضخمة من المياه نحو مجرى النهر.
ومع استمرار تدفق المياه، ارتفعت مستويات التخزين في السدود التركية إلى درجات كبيرة، الأمر الذي دفع السلطات التركية إلى زيادة كميات المياه المطلقة باتجاه الأراضي السورية لتخفيف الضغط على السدود. وفي الوقت نفسه كانت بحيرات السدود السورية قد امتلأت بدرجات مرتفعة نتيجة الأمطار المحلية، مما جعل إدارة السدود السورية مضطرة إلى فتح بوابات المفيض لتجنب أي ضغط إضافي على منشآت السد.
وأوضح وزير الطاقة محمد البشير أن المؤسسة العامة لسد الفرات كانت تدير كميات مياه محدودة جداً خلال السنوات السابقة بسبب الجفاف، حتى إن بعض محطات توليد الكهرباء كانت مهددة بالخروج من الخدمة نتيجة انخفاض منسوب المياه. وأضاف أن السلطات التركية أبلغت الجانب السوري في 22 أيار بزيادة كبيرة في التدفقات المائية بسبب موجة أمطار قوية، الأمر الذي استدعى اتخاذ إجراءات سريعة وفتح المفيضات وتحذير السكان القاطنين على ضفاف النهر.
كما أكد مدير مؤسسة سد الفرات هيثم بكور أن كمية المياه الواردة من تركيا وصلت إلى نحو 2000 متر مكعب في الثانية، وهي كمية غير مسبوقة مقارنة بأكبر كمية تم تسجيلها سابقاً والتي بلغت نحو 1500 متر مكعب في الثانية قبل خمسة عشر عاماً. وأوضح أن المؤسسة عملت على تخزين أكبر كمية ممكنة من المياه داخل البحيرات قبل تمرير الفائض بشكل تدريجي.
من جهته، أوضح خبير السدود والموارد المائية عبد الرزاق العليوي أن بحيرات سد الفرات وصلت إلى نحو 97% من سعتها التخزينية، وهو ما دفع إدارة السد إلى فتح ثلاث بوابات من المفيض وزيادة كميات المياه الممررة للمحافظة على سلامة السد والمنشآت المرتبطة به.
لماذا كانت الأضرار كبيرة رغم السيطرة على السدود؟
على الرغم من أن السدود بقيت آمنة ولم تواجه خطراً حقيقياً، فإن الأضرار التي نتجت عن الفيضانات كانت كبيرة نسبياً بسبب التغيرات التي شهدتها المنطقة خلال سنوات الجفاف السابقة.
فعندما انخفض منسوب النهر خلال السنوات الماضية، اعتقد كثير من السكان أن المياه لن تعود إلى مستوياتها السابقة، فاقتربوا من مجرى النهر وأقاموا منازل ومشاريع زراعية وتجارية داخل مناطق كانت تاريخياً جزءاً من الحرم الفيضي الطبيعي للفرات. ومع عودة المياه إلى مستويات مرتفعة، تعرضت هذه المناطق للغمر بشكل مباشر.
ويرى عدد من المهندسين وخبراء المياه أن المشكلة لا ترتبط فقط بغزارة الأمطار أو بفتح بوابات السدود، بل تكشف أيضاً ضعف التخطيط العمراني في مناطق الفرات. فخلال السنوات الماضية انتشرت الأبنية والمنشآت الزراعية والخدمية داخل المناطق المعرضة للفيضان، كما تم إنشاء بعض محطات المياه والجسور والسواتر الترابية في أماكن قريبة جداً من مجرى النهر.
وأشار مدير مؤسسة سد الفرات هيثم بكور إلى أن التعديات على حرم النهر كانت من أبرز أسباب زيادة حجم الأضرار، لأن المنشآت المقامة داخل هذه المناطق كانت الأكثر تأثراً بارتفاع المنسوب.
الأضرار الإنسانية والزراعية والخدمية
تركزت الأضرار في محافظتي الرقة ودير الزور، وخاصة في المناطق المنخفضة والجزر النهرية والأراضي الزراعية القريبة من مجرى الفرات. وقد امتدت آثار الفيضانات من الرقة مروراً بالميادين والعشارة وصولاً إلى مناطق قريبة من الحدود العراقية.
وبحسب وزير الطوارئ وإدارة الكوارث رائد الصالح، غمرت المياه نحو 5000 دونم من الأراضي الزراعية، كما تضررت قرابة 2400 عائلة نتيجة ارتفاع منسوب النهر. ورغم حجم الأضرار المادية، لم يتم تسجيل خسائر بشرية مباشرة بسبب الفيضان، وهو ما يعكس فعالية إجراءات التحذير والإخلاء التي نفذتها الجهات المختصة.
أما في القطاع الخدمي، فقد كانت الأضرار كبيرة، إذ خرج أكثر من 60 محطة مياه عن الخدمة بشكل مؤقت بسبب وصول المياه إليها. وأوضح رئيس لجنة الاستجابة الطارئة في دير الزور فايز عباس أن الفرق الفنية سارعت إلى نقل المضخات والمحركات إلى مناطق آمنة والعمل على تأمين مصادر مياه بديلة للسكان.
كما تعرضت بعض الجسور الترابية والمعابر النهرية للغمر أو الضرر، الأمر الذي أثر في حركة التنقل بين عدد من المناطق. وشملت الأضرار أيضاً مساحات زراعية واسعة يعتمد عليها السكان في إنتاج المحاصيل وتربية المواشي.
ولا تتوقف آثار الفيضانات عند الخسائر المادية فقط، بل تمتد إلى الجوانب الصحية والبيئية. فغمر محطات المياه وشبكات الصرف الصحي قد يؤدي إلى تلوث مصادر مياه الشرب وزيادة احتمالات انتشار الأمراض. كما أن تلف الأراضي الزراعية ينعكس بشكل مباشر على الأمن الغذائي ودخل آلاف الأسر التي تعتمد على الزراعة كمصدر رئيسي للعيش.
إجراءات الاستجابة ومواجهة الأزمة
مع بدء ارتفاع منسوب النهر، أطلقت الجهات المختصة مجموعة من الإجراءات العاجلة للحد من المخاطر. وأصدرت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث تحذيرات للسكان القاطنين على ضفاف الفرات، ودعتهم إلى الابتعاد عن المناطق المنخفضة والاستعداد للإخلاء عند الضرورة.
كما تم تنفيذ عمليات إخلاء في عدد من المناطق المهددة بالغمر، من بينها مخيم البيت اليوناني في محافظة الرقة، حيث أكد مدير الطوارئ رامي سلوم نقل السكان إلى أماكن أكثر أماناً وتأمين احتياجاتهم الأساسية.
وفي دير الزور، ركزت لجنة الاستجابة للطوارئ على حماية السكان والبنية التحتية الحيوية، من خلال تدعيم الجسور والسواتر الترابية وإيقاف حركة العبارات النهرية غير الآمنة وتأمين محطات المياه المهددة بالغمر.
ومع تراجع التدفقات المائية تدريجياً، أعلن وزير الطاقة محمد البشير أن مرحلة الخطورة الأساسية قد تم تجاوزها، موضحاً أن السلطات بدأت تخفيض كميات المياه الممررة عبر المفيضات. كما أشار إلى أن انخفاض المنسوب سيظهر بشكل أوضح خلال نحو 48 ساعة في محافظتي الرقة ودير الزور.
من الجفاف إلى الفيضان: مفارقة مائية لافتة
تكشف الفيضانات الحالية عن مفارقة مهمة عاشتها منطقة الفرات خلال فترة زمنية قصيرة. فبعد سنوات من الجفاف الحاد وتراجع الموارد المائية، وجدت المنطقة نفسها أمام خطر معاكس يتمثل في الفيضانات وارتفاع منسوب المياه.
فخلال العقود الأخيرة ارتفعت درجات الحرارة في شمال شرق سورية بنحو درجة مئوية واحدة، مع تراجع معدل الهطول المطري، مما أدى إلى انخفاض تدفقات نهري الفرات ودجلة بشكل ملحوظ. كما تراجعت محاصيل رئيسية مثل القمح بنسبة وصلت إلى 75% منذ عام 2011، وانخفضت إمدادات مياه الشرب بنحو 40% نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية خلال سنوات النزاع.
وفي الوقت نفسه ما زالت قضية مياه الفرات تمثل ملفاً إقليمياً معقداً بين سورية وتركيا والعراق، إذ تقع معظم منابع النهر داخل الأراضي التركية. ورغم أن اتفاقية عام 1987 حددت الحد الأدنى للتدفقات عند الحدود السورية التركية بـ500 متر مكعب في الثانية، فإن التدفقات خلال سنوات الجفاف انخفضت أحياناً إلى نحو 200 متر مكعب في الثانية فقط. لذلك فإن الفيضانات الحالية لا يمكن فصلها عن التغيرات المناخية والتحديات السياسية والإدارية المرتبطة بإدارة الموارد المائية في المنطقة.
في الختام، على الرغم من قدرة الجهات المعنية احتواء أزمة فيضان نهر الفرات لكن ما تكشّف أمامها من تحديات وعمل أكبر من مجرد معالجة أزمة، فإن الأضرار التي لحقت بالأراضي الزراعية والمنازل ومحطات المياه كشفت الحاجة إلى تحسين التخطيط وإدارة الموارد المائية بصورة أفضل. كما أكدت هذه الأحداث أهمية التنسيق المبكر بين الجهات المعنية، وتطوير أنظمة الإنذار والاستجابة للطوارئ، والابتعاد عن البناء داخل المناطق المعرضة للغمر.
اقرأ أيضاً: بين وهم الذهب والواقع: كنوز حقيقية يخفيها نهر الفرات!