كسوة العيد في سوريا.. أسعار تلتهم الفرحة وأسواق تعيش أسوأ مواسمها

كسوة العيد في سوريا.. أسعار تلتهم الفرحة وأسواق تعيش أسوأ مواسمها

بقلم: ديانا الصالح

قبيل عيد الأضحى، تبدو أسواق الألبسة في مختلف المدن السورية مزدحمة بالمتفرجين أكثر من المشترين، واجهات المحال مضاءة بالألوان والتخفيضات معلقة على الزجاج استعداداً لعرض كسوة العيد إلا أن الحركة الشرائية تكاد تكون مشلولة.

فالعائلات التي كانت تعتبر أن كسوة العيد هي جزء مميز من طقوس الفرح تقف اليوم عاجزة أمام محال تجارية تعرض أجمل الملابس بأسعار تفوق قدرة المواطن بأضعاف، في مشهد يلخص جانباً قاسياً من الأزمة المعيشية التي يعيشها السوريون.

فقد أصبحت كسوة العيد في سوريا عبئاً مالياً يفوق قدرة آلاف العائلات خاصة أن أسعار الملابس والأحذية تضاعفت بشكل غير مسبوق مقابل سعر صرف متقلب ورواتب مؤجلة لأجل غير معلوم، وما بين الغلاء الحاد والركود التجاري يعيش السوريون موسماً استثنائياً تتراجع فيه أبسط مظاهر الاحتفال.

كسوة العيد في سوريا

على الرغم من أن موسم الأعياد يُعد تقليدياً فرصة ذهبية للتجار وأصحاب المحال التجارية إلا أن الأسواق السورية تعيش حالة واسعة من الركود يمكن وصفها بأنها الأشد والأسوأ خلال السنوات الأخيرة، فالحركة التجارية أضعف بكثير مقارنة بالمواسم السابقة في الوقت الذي يشتكي فيه التجار من انخفاض المبيعات حتى في الأماكن الأشد ازدحاماً تقليدياً.

ويشير أصحاب المحال إلى أن معظم الزبائن باتوا يتجولون بهدف الاطلاع على الأسعار فقط ومن ثم يغادروا دون شراء، ليؤكد المواطن حازم سليمان لموقع سوريا اليوم 24 “بعض التجار يرون أن الأسعار باتت تتناسب مع الزيادة النوعية الأخيرة في الرواتب لكن الواقع مختلف تماماً، فالموظف الذي لا يزال على رأس عمله من الممكن أن تناسبه الأسعار -نسبياً- أما نحن الذين تم تسريحنا وفصلنا من أعمالنا فلا نجد ما يسندنا ونواجه أيامنا وحدنا.”

أما السيد هيثم إسماعيل فأوضح: “يتحدثون عن زيادات في الرواتب لكننا ما زلنا ننتظر أصلاً قبض الراتب في موعده، فما عدنا ننتظر -أول الشهر- لأنه ربما يكون في منتصفه أو ربما الربع الأخير منه، وعندما يصل الراتب يجد الديون أمامه بانتظار التسديد.”

كما أن بعض العائلات أصبحت تؤجل شراء الملابس إلى الأيام الأخيرة أملاً بالحصول على تخفيضات أكبر أو عروض إضافية في وقت لا يملك فيه التجار هامشاً واسعاً للتخفيض بسبب ارتفاع تكلفة البضائع بالأساس، أي أن الركود الحالي في الأسواق لا يرتبط بضعف المعروض من الألبسة وتوابعها ولا بقلة الخيارات، فالأسواق مازالت ممتلئة بالبضائع المحلية والمستوردة، لكن المشكلة الأساسية تكمن في غياب القدرة الشرائية.

كسوة طفل واحد تلتهم راتب موظف كامل

خلال السنوات الأخيرة، ارتفعت أسعار الملابس بشكل متسارع وكبير، حتى أصبحت كسوة العيد في سوريا عبئاً مالياً يفوق قدرة شريحة واسعة من المواطنين، فأسعار البنطال الرجالي الجيد تجاوزت في بعض الأسواق 300 ألف ليرة سورية، أما أسعار القمصان فتبدأ من 150 ألف ليرة وترتفع إلى أكثر من ذلك وفقاً للنوع والجودة، أما الأحذية فتجاوز أسعار بعض الأنواع نصف مليون ليرة سورية.

وفيما يتعلق بملابس الأطفال والتي تعتبر العبء الأكبر مع اقتراب العيد فإن الأسعار تبدو أكثر قسوة بالنسبة للعائلات محدودة الدخل، ففي بعض الجولات على الأسواق نجد أن كسوة طفل واحد بشكل كامل من (ملابس + حذاء + بعض المستلزمات البسيطة) تتراوح ما بين 350 ألفاً للخيارات المتوسطة وتتجاوز 700 ألف ليرة سورية للبضائع ذات الجودة الأعلى، مما يجعل تأمين كسوة لطفلين أو أكثر عبئاً مالياً مضاعفاً.

في سوريا، لا يرتبط ارتفاع الأسعار بموسم الأعياد فحسب، فهو جزء من أزمة اقتصادية تعكس حجم التضخم الذي أصاب الأسواق السورية وسط استمرار تراجع قيمة العملة المحلية، وبحسب نائب رئيس جمعية حماية المستهلك ماهر الأزعط فإن أسواق الملابس تعيش ركوداً غير مسبوق فالطلب ضعيف جداً وهذا الجمود الذي يطبق على الأسواق ليس مجرد قلة إقبال وإنما هو انعكاس مؤلم لحالة من الغلاء الفاحش الذي تجاوز قدرة المواطنين على التحمل.

العائلات تغيّر أولوياتها.. الطعام قبل الملابس

تشير تقديرات أممية حديثة إلى أن قرابة 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر نتيجة أزمة اقتصادية ممتدة وتراجع حاد في القدرة الشرائية، وفي ظل هذه الظروف اضطرت العديد من العائلات السورية إلى إعادة ترتيب أولويات إنفاقها، فأصبحت الملابس في المراتب الأخيرة مقارنة بالاحتياجات الأساسية.

فالعائلات التي كانت تعتبر أن شراء ملابس جديدة للأطفال في العيد كجزء أساسي من الطقوس نجدها اليوم مضطرة لتوجيه دخلها المحدود باتجاه الغذاء والدواء وفواتير الخدمات من كهرباء وماء وإيجارات خاصة مع الارتفاع الأخير لخدمات الكهرباء وتقلب أسعار المواد الأساسية، حتى أصبحت فكرة شراء كسوة كاملة لجميع أفراد العائلة شبه مستحيلة بالنسبة لعدد كبير من الموظفين وأصحاب الدخل المحدود.

أما بعض العائلات فتتجه إلى تقسيم أدوار الشراء بين بعضها خاصة عندما يجد الآباء أنفسهم عاجزين عن تلبية أبسط متطلبات أبنائهم في موسم الأعياد، وتحولت المناسبة من مساحة للراحة والاحتفال إلى موسم إضافي من الضغط المالي والاجتماعي ومحاولة من أرباب العائلات للتوفيق بين الاحتياجات والإمكانات المحدودة.

فيما تتجه الأنظار نحو أسواق “البالة” التي تشهد حركة أكثر نشاطاً، ويقبل المواطنون عليها كونها توفر خيارات جيدة بأسعار أقل من المحال التقليدية، حتى أن بعض العائلات أصبحت تتعامل مع محال “البالة” باعتبارها سوقاً دائماً وليس مؤقتاً، فمعايير الشراء التي ارتبطت بالجودة والحداثة ومواكبة “الموضة” تراجعت لدى العديد من المواطنين لتحل محلها معادلة تقوم على البحث عن السعر الأرخص فقط.

لماذا ترتفع الأسعار رغم ضعف المبيعات؟

على الرغم من الركود الواضح في الأسواق تواصل أسعار الملابس ارتفاعها بشكل يثير التساؤلات لدى المواطنين حول أسباب الغلاء المستمر مع تراجع الطلب والشراء، ويرى المحلل الاقتصادي شادي سليمان أن هذه الارتفاعات تعود إلى عوامل متداخلة أبرزها ارتفاع تكاليف الإنتاج والمواد الأولية وتقلبات سعر صرف الليرة السورية، إضافة إلى تكاليف النقل والطاقة والضرائب والرسوم الجمركية، مشيراً إلى اعتماد جزء كبير من مستلزمات الصناعة على الاستيراد بالدولار وما يرافق ذلك من تقلبات في سعر الصرف وبالتالي في أسعار البضائع والمنتجات.

كما أن غياب الرقابة الفعالة وضعف دعم الإنتاج المحلي يزيدان من حدة الأزمة ليبقى المستهلك هو الحلقة الأضعف، وفي المقابل يؤكد تجار أن هناك ارتفاع في النفقات التشغيلية يرافقها تراجع في المبيعات والأرباح مما خلق حالة من الاحتقان الكبير في السوق وهو أشبه بالركود التضخمي الذي يترافق فيه ارتفاع الأسعار مع تراجع في الطلب وضعف في القدرة الشرائية.

العيد في الذاكرة والواقع مختلف

بالنسبة لعدد كبير من العائلات السورية لم تعد الأعياد تشبه المواسم التي ارتبطت بالفرح، خاصة أن التفاصيل البسيطة التي ترافق العيد من شراء الملابس أو التنزه أو حتى تحضير الضيافة جميعها قد تحولت إلى عبء ثقيل يفوق قدرة معظم العائلات.

وعلى الرغم محاولات الأهالي الحفاظ على الحد الأدنى من أجواء العيد إلا أن الضغوط الاقتصادية التي تزداد يوماً بعد يوم جعلت مظاهر الاحتفال تتراجع تدريجياً لتحل محلها حسابات الإنفاق والقلق من مصاريف الغد المجهول.

بناء على ما سبق، تعكس الأسواق قبيل عيد الأضحى واقعاً معيشياً أكثر قسوة مما كان عليه في السابق حيث يتزامن فيه ارتفاع الأسعار مع تراجع القدرة الشرائية والركود في حركة البيع، لتبقى كسوة العيد في سوريا مؤشراً واضحاً يعكس حجم الضغوط التي يواجهها المواطن اليوم وسط غياب أي بوادر للتحسن في المدى القريب.

اقرأ أيضاً: ملابس مستعملة بروح جديدة.. “المتجر المجتمعي” عنوان التكافل مع حفظ الكرامة

المدير العام

بقلم: المدير العام

كاتب ومحرر في سوريا نيوز. تغطية شاملة للأحداث لحظة بلحظة.