سوريا أمام موجة غلاء جديدة .. المواد التموينية تسابق قدرة المواطنين على الاحتمال

سوريا أمام موجة غلاء جديدة .. المواد التموينية تسابق قدرة المواطنين على الاحتمال

وما بين الارتفاع المتواصل الذي تشهده قطاعات النقل والمحروقات، وتأرجح سعر الصرف الذي تجاوز حاجز 14000 ليرة سورية في السوق السوداء وتراجع القدرة الشرائية، أصبحت المواد الأساسية مثل السكر والأرز والزيت والبرغل والعدس عبئاً يومياً يهدد الاستقرار الغذائي للأسر السورية.

وفي هذا الصدد، أشارت بيانات وتقارير اقتصادية حديثة إلى أن الأسواق السورية تعيش واحدة من أكثر مراحلها اضطراباً منذ بداية العام الجاري، فالأسعار تتسارع وتتغير بشكل شبه ساعي، في الوقت الذي تتسع فيه دائرة الفقر الغذائي في البلاد، حيث بدأت شريحة واسعة من السكان بتقليص استهلاكها الغذائي لتأمين الحد الأدنى من احتياجاتها المعيشية.

موجة غلاء جديدة تضرب المواد التموينية

سجلت أسعار المواد التموينية الأساسية خلال الأسبوع الجاري ارتفاعات متسارعة وغير مضبوطة شملت معظم السلع المرتبطة بالاحتياجات اليومية للأسر، ووفقاً لبيانات السوق المحلية فقد ارتفع سعر السكر بنسبة تزيد عن 20% ليتجاوز سعر الكيلو الواحد حاجز 100(10.000) ليرة سورية خلال أيام قليلة رافقه قفزات واضحة في أسعار البقوليات والمواد الغذائية الأساسية.

ووصل سعر العدس المغلف إلى 150 (15.000) ليرة سورية، والعدس المجروش إلى 130 (13.000) ليرة أما سعر العدس الأسود فوصل إلى نحو 120 (12.000) ليرة.

سعر البرغل المغلف ارتفع أيضاً إلى 130 (13.000) ليرة، والمعكرونة إلى 150 (15.000) ليرة، في وقت تراوحت فيه أسعار الأرز ما بين 150(15.000) و220 (22.000) ليرة.

أما سعر ليتر الزيت النباتي فوصل إلى نحو 270 (27.000) ليرة سورية بينما وصل سعر الفول اليابس المغلف إلى 200 (20.000) ليرة والحمص الحب المغلف إلى 225 (22.500)ليرة، والسمنة إلى 150 (15.000) ليرة، والطحين إلى 110 (11.000) ليرة، وسط تفاوت واضح بالأسعار بين منطقة وأخرى أو حتى محل تجاري وغيره نتيجة حالة الفوضى التي تشهدها الأسواق السورية حالياً.

وهذه الارتفاعات ليست معزولة عن السياق الاقتصادي العام، حيث تعاني الأسواق السورية منذ بداية العام من موجات غلاء متتالية وصلت إلى مختلف القطاعات الغذائية والاستهلاكية، حيث أشارت تقارير اقتصادية إلى أن تكاليف المعيشة شهدت قفزات جديدة خلال الأشهر الماضية إلا أن الدخل الحقيقي للأسرة والأجور الشهرية بقيت شبه ثابتة.

القدرة الشرائية تتآكل بوتيرة غير مسبوقة

انعكست موجة ارتفاع أسعار المواد التموينية بشكل مباشر على الحياة اليومية للسوريين خاصة أن الأسر بمعظمها باتت تخصص الجزء الأكبر من دخلها للغذاء فقط، وتوضح تقارير اقتصادية محلية أن الرواتب الشهرية لم تعد تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية لأيام محدودة وسط استمرار ارتفاع أسعار المواد الغذائية والخدمات الأساسية.

وقد دفع هذا الواقع المفروض الكثير من العائلات إلى تقليص الكميات التي تشتريها من المواد التموينية أو حتى الاستغناء عن بعض الأصناف بشكل كامل،  فيما يؤكد أصحاب عدة محال تجارية تراجع حركة الشراء بشكل ملحوظ خلال أيار الجاري على الرغم من الحاجة المستمرة للمواد الأساسية، حيث بات المستهلك يشتري بالكيلو والنصف كيلو بعد أن كان يعتمد على شراء كميات شهرية أو تموينية أكبر، لتتحول المقارنة بين الأسعار والتنقل بين المحال التجارية إلى سلوك يومي لدى كثير من الأسر في محاولة للبحث عن السعر الأنسب وتخفيف أعباء الإنفاق الغذائي.

الأمن الغذائي في سوريا يواجه تحديات متصاعدة

تتزامن موجة ارتفاع أسعار المواد التموينية في سوريا مع مؤشرات مقلقة تتعلق بالأمن الغذائي في البلاد، حيث تؤكد بيانات صادرة عن برنامج الأغذية العالمي أن أكثر من 9.1 مليون شخص في سوريا يعانون من انعدام الأمن الغذائي، وبلغ سوء التغذية لدى الأمهات وسوء التغذية الحاد لدى الأطفال دون سن الخامسة مستويات الطوارئ العالمية.

كما تشير التقديرات إلى أن نسبة كبيرة من السكان تعتمد اليوم على استراتيجيات تعرف بـ “تقشف غذائي” تشمل تقليل عدد الوجبات أو خفض جودة الطعام لتقليل الإنفاق، وتوضح التقارير الأممية أن ارتفاع أسعار الغذاء في سوريا بات يتجاوز قدرة شبكات الدعم المحلية والإنسانية على الاستجابة للوضع الإنساني، لاسيّما أن استمرار ارتفاع أسعار المواد التموينية من شأنه أن يؤدي إلى اتساع رقعة سوء التغذية.

القمح والخبز في صلب الأزمة المعيشية

تشير التقديرات إلى أن سوريا تواجه عجزاً غذائياً يقدر بنحو 2.7 مليون طن من القمح خلال العام الجاري، وذلك وسط التغيرات المناخية التي شهدها موسم 2024-2025، حيث أدت قلة الهطول المطري وتوزعه غير المنتظم إلى خسارة واسعة في المحاصيل البعلية، وعلى رأسها القمح البعلي بوصفه محصولاً استراتيجياً للأمن الغذائي.

ويعتبر ملف القمح من أبرز المؤشرات على التحديات التي تواجه الأمن الغذائي في سوريا خلال عام 2026 خاصة مع الجدل المتواصل حول تكاليف الإنتاج وأسعار شراء المحصول من المزارعين، حيث شهدت تكاليف الزراعة ارتفاعات كبيرة هذا العام نتيجة ارتفاع أسعار المحروقات وكذلك الأسمدة وأجور النقل والري.

كما تؤكد تقارير اقتصادية سورية أن أزمة الخبز لم تعد مرتبطة فقط بتوفر المادة وإنما بقدرة المواطن على تحمل تكلفتها بصورة غير مباشرة سواء من خلال ارتفاع أسعار المواد المرتبطة بها أو تكاليف النقل ووصولاً إلى الطاقة والإنتاج، حيث تقف أسعار الخبز اليوم على حافة خطرة، فأي اضطراب جديد في إنتاج القمح أو توزيعه من شأنه أن يؤدي إلى موجات غلاء إضافية في السوق الغذائية السورية خلال الفترة المقبلة.

فوضى التسعير تربك الأسواق والمستهلكين

تشهد الأسواق حالة واضحة من الفوضى في التسعير، حيث تختلف أسعار السلعة نفسها ما بين متجر وآخر بفوارق ملحوظة وحتى ضمن الحي الواحد، ويبرر عدد من التجار هذا التفاوت بأنهم اشتروا البضائع بأسعار مرتفعة أو أن الأسعار تغيّرت بشكل سريع بعد عملية الشراء، الأمر الذي دفعهم إلى تعديل التسعيرة بشكل مستمر حتى يتجنبوا الخسارة ويحافظوا على استمرارية تجارتهم.

وفي المقابل يجد المواطن نفسه الحلقة الأضعف في هذه المعادلة، حيث أن الرواتب لا تغطي الاحتياجات الأساسية هذا في حال تم استلامها في موعدها ولم يحدث تأخير، مما يزيد من حجم الضغط المعيشي على الأسر السورية بشكل كبير.

وبناء على ذلك، لا تبدو موجة ارتفاع أسعار المواد التموينية مجرد تأرجح مؤقت في السوق بقدر ما تعكس وبشكل مباشر حالة من الاختلال العميق الذي يضغط على حياة السوريين اليومية، ومع استمرار الفجوة بين الدخل والأسعار، وأصبح تأمين لقمة العيش بالنسبة إلى ربّ الأسرة بمثابة عبء يومي يلازم كل أسرة منذ لحظات الصباح الأول.

اقرأ أيضاً: “0000” بدل أسعار الصرف .. شاشات دمشق تعكس ارتباك السوق وتقلبات الليرة!

المدير العام

بقلم: المدير العام

كاتب ومحرر في سوريا نيوز. تغطية شاملة للأحداث لحظة بلحظة.