برايم و«نبض داخلي»: هل تدفع قناة غير سياسية ثمن الكراهية وغموض معايير يوتيوب؟

برايم و«نبض داخلي»: هل تدفع قناة غير سياسية ثمن الكراهية وغموض معايير يوتيوب؟

تطرح قضية بودكاست «نبض داخلي»، المعروض على قناة «برايم الأولى»، وقيام منصّة يوتيوب بإغلاق القناة بشكل مؤقت «للمراجعة»، سؤالاً متجدداً حول علاقة المنصات العالمية بالمحتوى القادم من مناطق النزاع، أو الخارجة لتوّها من النزاع، وخصوصاً عندما يكون هذا المحتوى عربياً، شديد الحساسية، ومرتبطاً بذاكرة حرب لم تُغلق بعد.

ففي مثل هذه الحالات، لا يكون الخلاف دائماً حول السياسة المعلنة أو عدم وجودها. ينشر يوتيوب، مثل غيره من المنصات الكبرى، سياسات تفصيلية حول خطاب الكراهية، والتحريض، والمحتوى العنيف أو الضار. لكن تظهر المشكلة غالباً في المسافة بين النص العام للسياسة، وبين تطبيقها العملي على محتوى محلي يحتاج إلى فهم سياسي واجتماعي ولغوي دقيق.

تصبح هذه المسافة، في الحالة السورية تحديداً، أكثر تعقيداً. فالشهادة الشخصية عن الحرب قد تحمل ألماً، واتهاماً، ووصفاً لتجربة قاسية. وقد تتضمن حديثاً عن حصار أو عنف أو مسؤوليات سياسية. لكن من غير المنطقي أن تتحوّل بمجرّد  ذلك، إلى «خطاب كراهية أو تحريض». فالفارق الأساسي هنا يكمن في السياق: هل يروي المتحدث تجربة عاشها؟ أم يدعو إلى استهداف جماعة؟ هل يتحدث عن واقعة أو مسؤولية سياسية؟ أم يعمم الاتهام على مكوّن اجتماعي أو ديني أو طائفي كامل؟

من هنا تأتي أهمية قضية برنامج «نبض داخلي» المعروض على قناة «برايم». فالبرنامج، بحسب القائمين عليه، ليس برنامجاً سياسياً، بل مساحة حوارية وإنسانية يستضيف فيها أطباء يتحدثون عن تجاربهم الشخصية والمهنية خلال سنوات الحرب السورية. بعض هذه الشهادات يتصل بمناطق كانت محاصرة من قبل قوات سلطة الأسد، وبعضها يتناول تجارب طبية وإنسانية قاسية أكثر عمومية. غير أن القائمين على البرنامج يؤكدون أن هذه الشهادات تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تمثل رأياً للبرنامج أو للقناة العارضة له.

تفاعل و«متصيدون» للقناة!

بدأت المشكلة، وفق رواية فريق البرنامج، بعد حلقة استضافت الدكتور الرفاعي، وحققت تفاعلاً واسعاً ومشاهدات مرتفعة. بعد ذلك، تلقت قناة «برايم الأولى» إشعاراً من يوتيوب يشير إلى وجود «انتهاك سياسي وإنساني» في الحلقة. 

اعترض الفريق بشكل أصولي على القرار، موضحين أن البرنامج حواري، وأن الضيف كان يتحدث عن شهادته الخاصة، وأن القناة لا تتبنى كل ما يرد على ألسنة ضيوفها. لكن رغم ذلك، يقول الفريق أنه لم يتلق رداً تفصيلياً يوضح موضع الانتهاك أو الجمل التي اعتبرتها المنصة مخالفة.

ثمّ لاحقاً، تكررت المشكلة مع حلقة أخرى استضافت الدكتور عرقسوسي. في هذه الحلقة، تحدث الضيف عما شهده بنفسه، ضمن سرد إنساني وصل به إلى البكاء أثناء الحديث. لكن الفيديو، الذي حقق بدوره نسب مشاهدات ومتابعات شديدة الارتفاع، تعرض إلى موجة تبليغات واسعة من «جهات مجهولة»، قبل أن تقوم إدارة يوتيوب بحظره وحذفه بسبب ما وصف بأنه «انتهاكات سياسية أو إنسانية قد تؤدي إلى نزاعات طائفية مع الأقليات..». 

ثمّ بعد نحو 24 ساعة، جاء القرار الأكثر كارثية: وُضعت قناة «برايم الأولى» تحت المراجعة، وتمّ إيقاف بثّها.

يقول القائمون على «نبض داخلي» إن حلقة الدكتور الرفاعي تلقت أكثر من 3000 تبليغ، فيما تلقت حلقة الدكتور عرقسوسي أكثر من 1500 تبليغ. ويفسر الفريق هذه الأرقام بوصفها مؤشراً محتملاً على حملة منظمة استهدفت البرنامج والقناة، لا مجرد رد فعل عفوي من جمهور متضرر أو معترض. 

لا تملك «سوريا اليوم24» في هذه المرحلة بيانات تقنية مستقلة تثبت أن التبليغات كانت منسقة أو صادرة عن جهة واحدة. لكن حجم البلاغات، وتكرارها ضد حلقات محددة، وتزامنها مع محتوى يتناول شهادات حساسة، كلها عناصر تفتح سؤالاً مشروعاً حول احتمال إساءة استخدام نظام التبليغ.

الإبلاغ كحالة «عسكرة» منهجية!

هذا السؤال مهم لأنه يتصل بمشكلة أوسع في البيئة الرقمية العربية. فأنظمة الإبلاغ على المنصات وُضعت أصلاً لحماية المستخدمين من المحتوى الضار أو العنيف أو المحرض. لكنها قد تتحول، كما نشهد في الكثير من الحالات، إلى وسيلة ضغط ضد محتوى لا تريده جهات منظمة أو جماعات ذات مصلحة قادرة على حشد عدد كبير من الأشخاص في لحظة واحدة، سواء كانوا بشراً حقيقيين أو «ذباباً إلكترونياً مأجور»!. 

هنا تظهر معضلة أساسية: كيف يمكن للمنصة أن تستجيب للبلاغات الجدية من دون أن تسمح بتحويل التبليغ الجماعي إلى أداة لإسكات محتوى مستقل أو شهادة إنسانية؟

يوضّح يوتيوب في سياساته أنه لا يسمح بالمحتوى الذي يروّج للكراهية أو العنف ضد أفراد أو جماعات بناءً على صفات محمية، مثل العرق أو الدين أو الجنسية أو الجنس أو النوع الاجتماعي أو التوجه الجنسي أو الإعاقة أو وضع الهجرة أو غير ذلك. كما تحظر المنصة المحتوى الضار أو الخطير، والتحرش، والعنف المصوّر، والمحتوى الذي يشجع على سلوك خطر. 

هذه السياسات ضرورية من حيث المبدأ، خصوصاً في مجتمعات خارجة من النزاع أو ما تزال تعيش آثاره، حيث قد يؤدي الخطاب المتشنج إلى تعميق الانقسام أو التحريض على جماعات بعينها.

لكن وجود هذه السياسات لا يلغي الحاجة إلى تطبيق دقيق وحساس للسياق. فالمحتوى المرتبط بالحروب لا يمكن تقييمه دائماً بالطريقة نفسها التي يُقيّم بها محتوى عادي خارج سياق العنف السياسي أو الذاكرة الجماعية. 

كثير من الشهادات الإنسانية، غير المسيسة كما في حالة قناة «برايم»، تتضمن توصيفاً مؤلماً للضحايا والجناة والسلطات والأحداث. وقد يكون هذا التوصيف ضرورياً لفهم ما جرى، حتى لو كان صعباً أو صادماً. لذلك، فإن معيار الحذف لا ينبغي أن يقوم فقط على حساسية الموضوع، بل على ما إذا كان المحتوى يدعو إلى الكراهية أو العنف أو التعميم ضد جماعة محمية.

تعترف يوتيوب نفسها بوجود حالات يمكن فيها السماح بمحتوى حساس إذا كان مقدماً ضمن سياق تعليمي أو توثيقي أو علمي أو فني، وهو ما يُعرف في سياساتها بإطار EDSA. لكن المنصة تشدد أيضاً على أن هذا السياق يجب أن يكون واضحاً داخل الفيديو نفسه، من خلال الصوت أو الصورة، لا أن يقتصر على العنوان أو الوصف. وهذا يعني أن القنوات التي تنشر شهادات مرتبطة بالنزاعات تحتاج إلى إظهار طبيعة المادة بوضوح داخل الحلقة، وإلى منع أي التباس بين الشهادة الشخصية والخطاب التحريضي.

في حالة «نبض داخلي»، يقول الفريق إن البرنامج إنساني، وإنه لا يتبنى آراء ضيوفه، وإن القناة العارضة لا تقدم هذه الشهادات بوصفها موقفاً سياسياً ضد أي جماعة. لكن قرار الحذف أو المراجعة، كما وصل إلى القناة، لم يشرح بالتفصيل أين وقع الخلل ليتم تداركه. 

لكن هل المشكلة في عبارة محددة يجب أن تضمنها البرامج؟ هل في توصيف الضيف لتجربته؟ هل في غياب تنويه تحريري داخل الفيديو؟ هل في كثافة التبليغات فقط؟ أم في قراءة آلية أو بشرية لم تتمكن من فهم السياق السوري؟ يضع غياب الإجابة التفصيلية صناع المحتوى في دائرة من التخمين. فهم لا يعرفون بدقة ما الذي يجب تعديله، حتى لو كانت برامجهم بريئة من أيّ تهمة أو محتوى تحريضي.

معايير ملتبسة

تزداد الإشكالية عندما يلاحظ القائمون على البرنامج، كما يقولون، وجود محتوى أكثر حدة وتحريضاً على يوتيوب لا يتعرض للحذف بالطريقة نفسها. هذه الملاحظة لا تثبت بالضرورة وجود ازدواجية مقصودة في تطبيق السياسات، لأن لكل حالة سياقها وتفاصيلها التي قد لا تكون ظاهرة للجمهور. لكنها تكشف فجوة ثقة بين المنصة والناشرين. فعندما يرى صانع محتوى أن فيديو حوارياً يُحذف بسرعة، بينما تبقى مواد أخرى أكثر استقطاباً، يصبح السؤال عن الاتساق والشفافية سؤالاً مشروعاً.

ولا تنفصل هذه القضية عن تجارب سابقة مع المحتوى السوري على المنصات. فقد حذرت منظمات حقوقية في السنوات الماضية من حذف أو اختفاء مواد مرتبطة بتوثيق الحرب السورية وانتهاكات حقوق الإنسان. حذرت منظمة WITNESS في عام 2017 من اختفاء أدلة مهمة على انتهاكات في سوريا من يوتيوب، مشيرة إلى أن مواد ذات قيمة توثيقية أو قانونية قد تتعرض للإزالة بسبب طبيعتها العنيفة أو الحساسة. 

كما أشارت مجموعة «الأرشيف السوري» الأهلية إلى اعتماده على المحتوى الذي ينتجه المستخدمون للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان، خصوصاً في الحالات التي يصعب فيها الوصول الميداني المباشر.

لا يعني ذلك أن حالة «نبض داخلي» مطابقة لحالات توثيق الانتهاكات أو أدلة جرائم الحرب. فالبرنامج يقوم على مقابلات إنسانية مع أطباء، وليس على نشر مواد ميدانية بالضرورة. لكن التشابه يكمن في المشكلة العامة: المحتوى السوري المتعلق بالحرب كثيراً ما يقع في منطقة حساسة بين منع التحريض من جهة، وحماية الذاكرة والشهادة من جهة أخرى. وإذا لم تكن المنصة قادرة على فهم هذا التوازن بدقة، فقد تؤدي نية الحماية إلى نتيجة عكسية، أي حذف محتوى توثيقي أو إنساني يحتاجه الجمهور لفهم ما حدث.

في توضيحاتهم، يؤكد فريق «نبض داخلي» أنهم لا يتبنون، لا هم ولا قناة «برايم الأولى»، أي موقف سياسي مناوئ لأي مجموعة أو مكوّن. كما يشددون على أن البرنامج ليس سياسياً، بل إنسانياً، وأن هدفه هو السماح لأصحاب التجربة برواية قصصهم الشخصية. ويؤكدون أيضاً حرصهم على التنوع بأكمل صورة ممكنة في التغطيات، وفي اختيار الضيوف والمحللين، وحتى في بيئة العمل داخل القناة، انطلاقاً من قناعة بأن الإعلام لديه رسالة واضحة تقوم على فتح المجال أمام روايات متعددة، لا على التحريض أو الإقصاء.

على من تقع المسؤولية؟

المسؤولية لا تقع على الناشرين وحدهم. المطلوب من يوتيوب، خصوصاً في الحالات المرتبطة بالنزاعات، أن يقدم تفسيراً أوضح للناشرين عندما يحذف محتوى أو يضع قناة تحت المراجعة. فالإشعارات العامة لا تكفي دائماً. وإذا كانت المنصة تريد من صناع المحتوى الالتزام بسياساتها، فعليها أن تشرح لهم، بقدر معقول من التفصيل، أين وقع الانتهاك، وما الذي كان يمكن فعله لتجنب القرار. وهذا مهم بشكل خاص للناشرين في المنطقة العربية، حيث تختلط اللغة السياسية بالتجربة الشخصية، وحيث قد تحمل الكلمات دلالات محلية لا تفهمها أنظمة المراجعة العالمية بسهولة.

في هذا السياق، تواصلت «سوريا اليوم24» مع إدارة يوتيوب، عبر القنوات الصحفية الرسمية، لطلب توضيح عام حول كيفية تعامل المنصة مع الحالات المشابهة، وخصوصاً المحتوى الحواري أو التوثيقي المرتبط بالحروب والشهادات الشخصية. كما شمل الطلب أسئلة عن آلية التمييز بين الشهادة الإنسانية وخطاب الكراهية أو التحريض، وعن طريقة التعامل مع التبليغات الجماعية، وعن آلية الاستئناف المتاحة للناشرين عندما تُحذف فيديوهاتهم أو توضع قنواتهم تحت المراجعة. وحتى لحظة إعداد هذا التقرير، لم نتلقَّ رداً من يوتيوب. وفي حال وصل أي توضيح لاحق من المنصة، سيتم نشره أو إضافته إلى المادة.

تكشف قضية «نبض داخلي» عن تحدٍّ أساسي يواجه الإعلام المستقل في المنطقة العربية. فالمنصات العالمية أصبحت جزءاً من البنية التحتية للنقاش العام، لكنها لا تعمل دائماً بالشفافية الكافية التي يحتاجها الناشرون والجمهور. وهي في الوقت نفسه مطالبة بحماية المجتمعات من خطاب الكراهية والتحريض، من دون أن تتحول هذه الحماية إلى أداة لحذف الشهادات أو إسكات الروايات الإنسانية التي لا تناسب أطرافاً منظمة أو صاحبة مصلحة.

لهذا، لا ينبغي اختصار القضية في سؤال تقني حول حذف فيديو أو مراجعة قناة. المسألة أوسع من ذلك. إنها تتعلق بكيفية إدارة الذاكرة العامة في فضاء رقمي تملكه شركات عالمية، وتتحرك داخله جماعات ضغط، ويعتمد عليه صحفيون وبرامج مستقلة للوصول إلى الجمهور. في هذا الفضاء، لا يكفي أن تقول المنصة إن لديها سياسات. المطلوب أن تكون هذه السياسات مفهومة، وأن يكون تطبيقها متسقاً، وأن تكون آليات الاعتراض قادرة على تصحيح الأخطاء لا مجرد استقبالها.

السؤال في النهاية ليس ما إذا كان يجب على يوتيوب أن يمنع خطاب الكراهية، فهذا واجب واضح. السؤال هو كيف يمكنه أن يفعل ذلك من دون أن يحذف الشهادة الإنسانية، أو يعاقب محتوى توثيقياً بسبب سوء فهم السياق، أو يسمح للتبليغات الجماعية بأن تتحول إلى أداة ضغط ضد الإعلام المستقل. بين حماية المجتمعات من التحريض، وحماية حق الناس في رواية ما عاشوه، تقع مسؤولية المنصات، ومسؤولية الإعلام، وحق الجمهور في المعرفة.

اقرأ أيضاً: «أعود أو لا أعود».. هل تكفي مشاعر الحنين وحدها؟

المدير العام

بقلم: المدير العام

كاتب ومحرر في سوريا نيوز. تغطية شاملة للأحداث لحظة بلحظة.