بحيرات الفرات فوق 97%: بين سلامة السدود وقلق الرقة ودير الزور

بحيرات الفرات فوق 97%: بين سلامة السدود وقلق الرقة ودير الزور

الكاتب: أحمد علي

عاد الفرات إلى الواجهة من باب لم يعتده الناس منذ سنوات. لم تعد المشكلة هذه المرة في الشح وحده، ولا في انخفاض المناسيب الذي ترك أثره على الزراعة والكهرباء والشرب. الماء مرتفع الآن، والبحيرات تقترب من الامتلاء الكامل. وهذه وفرة يحتاجها البلد، لكنها وفرة لا تمنح الطمأنينة تلقائياً. فالنهر حين يرتفع يختبر السدود، ويختبر الإدارة، ويختبر ثقة القرى الممتدة على ضفتيه بما يقال لها عن السلامة والخطر.

الرقم المعلن كبير. بحيرات الفرات تجاوزت، وفق تصريحات مدير عام المؤسسة العامة لسد الفرات هيثم بكور، نسبة امتلاء 97 بالمئة. وقبل أسابيع قليلة فقط، كانت وزارة الطاقة تتحدث عن تجاوز 85 بالمئة، وعن رفع التصريف عبر سد كديران من نحو 300 متر مكعب في الثانية إلى قرابة 500 متر مكعب. ثم صارت الكميات الممررة تقترب من 800 متر مكعب في الثانية. هذا الانتقال السريع لا يعني، بحسب التصريحات الرسمية، أن الخطر قائم، لكنه يقول بوضوح إن إدارة المياه دخلت منطقة تحتاج إلى انتباه أعلى.

الماء حين يتحول إلى اختبار إدارة

تتكون منظومة الفرات من سدود لا تعمل كخزانات فقط. سد تشرين، وسد الفرات، وسد كديران، هي أدوات لتنظيم التدفق، وتوليد الكهرباء، وري الأراضي، وحماية البلدات والقرى من تقلبات النهر. وحين يرتفع التخزين إلى هذه المستويات، يصبح التصريف جزءاً من معادلة دقيقة. لا يكفي أن تكون المياه كثيرة. الأهم أن تمر في الوقت الصحيح، وبالكمية الصحيحة، وأن تصل المعلومة إلى الناس قبل أن يصل الماء إلى حواف أراضيهم.

سد كديران مثال واضح على هذا التداخل بين الماء والطاقة والسلامة. فهو، وفق ما نشرته إحدى الصحف المحلية، يضم ثلاث عنفات لتوليد الكهرباء، باستطاعة تصل إلى 27 ميغاواط لكل عنفة. أي أن الحديث عن فتح البوابات أو تمرير كميات إضافية لا يخص الري وحده، بل يخص التشغيل الكهربائي، وسلامة المنشأة، واستقرار المجتمعات الواقعة بعد السد.

من هذه الزاوية، لا تبدو الزيادة في بحيرات الفرات خبراً بسيطاً. هي فرصة مائية بعد سنوات من الجفاف، لكنها أيضاً امتحان لإدارة الوفرة. فقد اعتادت مناطق واسعة في سوريا خلال السنوات الماضية التعامل مع نقص المياه، أما التعامل مع ارتفاع كبير وسريع في المناسيب فيحتاج إلى أدوات مختلفة، تبدأ من الرصد اللحظي، ولا تنتهي عند التحذيرات العامة.

الرقة ودير الزور على ضفة القلق

الرقة ودير الزور ليستا خارج الحساب. التصريحات الرسمية أكدت أن ارتفاع منسوب النهر لا يشكل خطراً على القرى والبلدات الواقعة على جانبيه، لكنها دعت في الوقت نفسه الأهالي إلى الابتعاد عن مجرى النهر، وعدم السباحة فيه، ورفع المعدات الزراعية القريبة من الضفاف. هذه ليست رسالة متناقضة بالضرورة. إنها لغة احتراز. غير أن السكان لا يتعاملون مع الاحتراز كما تتعامل معه الإدارة الفنية.

الفلاح الذي يملك مضخة قرب النهر يريد معرفة أبسط من نسبة الامتلاء. يريد أن يعرف متى يرتفع الماء في قريته، وكم يبقى، وهل عليه نقل معداته اليوم أم غداً. صاحب الأرض القريبة من الضفة لا يهمه فقط أن السد آمن، بل يهمه أن لا يغمر التصريف محصوله أو طريقه أو مرعى مواشيه. لهذا تحتاج المناطق الواقعة بعد السد إلى إنذار محلي واضح، لا إلى أرقام عامة فقط.

للذاكرة دورها أيضاً. الفرات في شرق سوريا ليس مجرد نهر. هو مصدر عيش، ومصدر خوف قديم. خلال الحرب، تحولت السدود إلى مواقع سيطرة وصراع، وتراجعت أعمال الصيانة في بعض المراحل، وظلت المخاوف من سوء التشغيل أو الأضرار التقنية حاضرة في أحاديث الناس. لذلك تأتي التطمينات اليوم فوق أرض نفسية غير مطمئنة تماماً. الثقة هنا لا تُطلب من السكان، بل تُبنى أمامهم خطوة خطوة.

سلامة السدود تبدأ من المعلومة

تحدثت تقارير صحفية عن خطط لإعادة تأهيل السدود شرق سوريا، وعن مراحل تبدأ بالسلامة الإنشائية، ثم الصيانة المتوسطة، وصولاً إلى برامج بعيدة المدى. ونقلت الجزيرة عن مسؤول حكومي في سد الفرات أن الجاهزية المستهدفة يفترض أن ترتفع من حدود 40 و50 بالمئة إلى أكثر من 90 بالمئة. مثل هذه الأرقام، إن صحت، تعطي صورة مزدوجة. هناك عمل مطلوب وضروري، وهناك أيضاً واقع فني لم يخرج بعد من آثار السنوات السابقة دفعة واحدة.

لهذا لا تكفي العبارة المطمئنة وحدها. المطلوب نشر دوري للمناسيب، وخرائط للقرى الأكثر قرباً من مناطق الأثر، وجدول واضح للتصريف عندما يكون ممكناً، وتنسيق بين المؤسسة العامة لسد الفرات والمحافظات والبلديات والدفاع المدني. فسلامة السدود ليست كتلة إسمنتية فقط. هي منظومة إنذار، وصيانة، وقطع تبديل، وكوادر، واتصال عام دقيق.

يمكن أن يتحول موسم الوفرة إلى مكسب واضح إذا أُدير بهدوء. المياه المرتفعة قد تعني ريّاً أفضل، وكهرباء أكثر، ومخزوناً أعلى لمواجهة الصيف. لكنها قد تعني خسائر محلية إذا بقيت المعلومات متأخرة أو مبهمة. الفارق بين المكسب والخسارة هنا ليس في النهر وحده، بل في طريقة إدارة ضفته.

الخلاصة أن بحيرات الفرات فوق 97 بالمئة ليست خبراً يستدعي الذعر، وليست خبراً يبيح الاسترخاء. هي حالة تحتاج إلى إدارة مفتوحة العينين. إذا وصلت التحذيرات بوضوح، وتدرج التصريف، وحُميت المعدات والأراضي القريبة، فسيكون ارتفاع المياه فرصة طال انتظارها. أما إذا بقي الناس يسمعون الأرقام ولا يعرفون ماذا تعني على أرضهم، فسيبقى القلق أوسع من مجرى الفرات نفسه.

اقرأ أيضاً: مشروع “شمال السكة” في الرقة: إعادة إعمار أم اختبار جديد لحقوق السكن؟

المدير العام

بقلم: المدير العام

كاتب ومحرر في سوريا نيوز. تغطية شاملة للأحداث لحظة بلحظة.