انتهى عهد توم باراك.. هل لهذا تأثير على الواقع السوري؟

انتهى عهد توم باراك.. هل لهذا تأثير على الواقع السوري؟

الكاتب: أحمد علي

لا تتغير السياسة السورية لأن اسماً خرج من الواجهة. هذا صحيح في الشكل، لكنه لا يكفي لفهم ما يعنيه تراجع حضور توم باراك في الملف السوري. فالرجل لم يكن مجرد مبعوث عابر. كان واجهة مرحلة حاولت واشنطن فيها أن تختبر مقاربة مختلفة، أقل اعتماداً على العزلة الكاملة، وأكثر ميلاً إلى فتح الأبواب المشروطة أمام دمشق. فما الذي سيتغيرّ الآن؟!

باراك جاء إلى الملف السوري من موقع غير تقليدي. هو سفير الولايات المتحدة لدى تركيا، ومبعوث خاص إلى سوريا، وشخص قريب من الرئيس الأميركي دونالد ترامب. هذه الصلة السياسية جعلت كلامه مسموعاً أكثر من كلام دبلوماسي عادي، وأعطت تصريحاته وزناً يتجاوز أحياناً لغة البيانات الرسمية. حين تحدث عن نهاية نموذج التدخل الغربي، وعن حلول إقليمية، وعن فرصة سورية جديدة، بدا كأنه يصف توجهاً لا موقفاً شخصياً فقط.

اسم ينسحب أم مرحلة تتبدل؟

باراك لم يكن صاحب القرار الوحيد، ولا يستطيع رجل واحد أن يصنع سياسة أميركية كاملة تجاه سوريا. القرار يمر عبر البيت الأبيض، ووزارة الخارجية، ووزارة الخزانة، والبنتاغون، والكونغرس، إضافة إلى حسابات تركيا والخليج وأوروبا. لكنه كان، في الوقت نفسه، عنواناً لنهج محدد: تخفيف العقوبات، فتح قنوات مع دمشق، والبحث عن ترتيب إقليمي يخفف العبء المباشر عن واشنطن.

في أيار 2025 بدأت واشنطن خطوات واسعة لتخفيف العقوبات. أصدرت وزارة الخزانة الترخيص العام رقم 25، ثم جاء الأمر التنفيذي في حزيران لإنهاء برنامج العقوبات الشامل على سوريا، مع إبقاء الاستثناءات المتعلقة بتنظيم داعش، والانتهاكات، والأسلحة الكيميائية، والجهات التي ترى واشنطن أنها تهدد الأمن والاستقرار. هذه القرارات لا تزول بخروج مبعوث أو تراجع حضوره، لكنها قد تفقد سرعتها السياسية إذا غابت الشخصية التي كانت تدفعها إلى الواجهة.

العقوبات لا تكفي إذا بقيت الثقة معلقة

التحول الأميركي الأهم لم يكن في الصورة الدبلوماسية، بل في الملف الاقتصادي. بالنسبة لدمشق، كان تخفيف العقوبات بمثابة اختبار لقدرتها على العودة إلى النظام المالي والتجاري. وبالنسبة لواشنطن، كان القرار مشروطاً بمنع عودة الفوضى الأمنية، ومكافحة داعش، وضبط السلاح، وفتح مسار سياسي وإداري أكثر قابلية للتعامل الدولي.

لكن رفع العقوبات لا يعني أن المصارف ستعود غداً، ولا أن الشركات ستدخل السوق فوراً. الخوف من الامتثال والعقوبات الثانوية والسمعة لا يزول ببيان سياسي واحد. المستثمر لا يسأل عن اسم المبعوث أولاً. يسأل عن التحويلات، وعن القضاء، وعن المصارف، وعن استقرار القواعد، وعن قدرة الدولة على تنفيذ التزاماتها. من هنا، فإن أثر باراك الحقيقي لا يقاس بما قاله، بل بما إذا كانت القرارات التي رافقها ستتحول إلى آليات عمل ثابتة.

هذا ما يجعل تراجع دوره مهماً من دون أن يكون حاسماً. إذا كان الانفتاح على دمشق صار سياسة مؤسساتية داخل واشنطن، فسيستمر ولو بوتيرة أبطأ. أما إذا كان يعتمد كثيراً على نفوذ شخص قريب من ترامب، فستصبح المرحلة المقبلة أكثر غموضاً، وستعود الملفات إلى ممرات بيروقراطية أبطأ، وأكثر تحفظاً، وأقل استعداداً للمجازفة.

الملف الأمني بعد باراك

أكثر ما يكشف حدود المرحلة هو الملف الأمني في الشمال الشرقي. في كانون الثاني 2026، قال باراك إن الدور الأصلي لقوات سوريا الديمقراطية كقوة رئيسية ضد داعش “انتهى إلى حد كبير”، وإن دمشق باتت قادرة على تحمل مسؤوليات أوسع. هذا لم يكن تصريحاً عابراً. لقد لامس واحدة من أعقد نقاط السياسة الأميركية في سوريا: العلاقة بين الشراكة السابقة مع “قسد”، والضغط التركي، ومحاولة إعادة تعريف الدولة السورية الجديدة كمركز أمني واحد.

إذا تراجع باراك، لا يعني ذلك أن هذا التصور سيتوقف فوراً. لكنه قد يصبح أكثر عرضة للمراجعة. البنتاغون قد ينظر إلى الملف من زاوية مكافحة داعش. تركيا تنظر إليه من زاوية الأمن القومي. دمشق تراه من زاوية السيادة واستعادة المجال. أما واشنطن السياسية فتبحث عن صيغة تقلل الكلفة ولا تفتح فراغاً جديداً. في مثل هذه المعادلة، يلعب الشخص دوراً في تسريع التفاهم، لكنه لا يلغي تضارب المصالح.

لذلك سيكون تأثير انتهاء عهد باراك، في الإيقاع أكثر منه في الاتجاه. قد تتأخر الرسائل. قد تصبح المواقف أقل وضوحاً. قد يزداد وزن المؤسسات الحذرة داخل واشنطن. لكن العقد الأساسية ستبقى كما هي: العقوبات، التمويل، الشمال الشرقي، الدور التركي، والقدرة السورية الداخلية على تحويل الانفتاح الخارجي إلى استقرار ملموس.

الواقع السوري لا ينتظر المبعوثين

في النهاية، لا يصنع المبعوث واقعاً سورياً جديداً إذا لم يجد داخله ما يستند إليه. السياسة الخارجية قد تفتح نافذة، لكنها لا تبني اقتصاداً ولا تصلح مؤسسة ولا تعيد الثقة وحدها. إذا بقيت الكهرباء مرتبطة بوعود مؤجلة، والمصارف خارج الحركة الفعلية، والأسواق تعيش على الترقب، فلن يشعر السوريون كثيراً بأن مبعوثاً جاء أو غادر.

أما إذا تحولت مرحلة باراك إلى قواعد ثابتة، تخفيف عقوبات قابل للتنفيذ، قنوات مالية أوضح، تفاهمات أمنية أقل ارتباكاً، ومسار إقليمي يخفف التصادم بدل أن يؤجله، فعندها يصبح الرجل تفصيلاً في مرحلة أوسع. السياسة الناضجة لا تعيش على الأشخاص. لكنها تحتاج أحياناً إلى أشخاص يفتحون الباب الأول.

الخلاصة أن انتهاء عهد توم باراك، أو تراجع حضوره، لا يكفي وحده لتغيير الواقع السوري. لكنه يكشف هشاشة السؤال الأكبر: هل كان الانفتاح الأميركي سياسة راسخة أم دفعة سياسية مرتبطة بشخص ونفوذ ولحظة؟ الجواب لن يظهر في واشنطن فقط. سيظهر في دمشق أيضاً، في قدرة الدولة على تحويل فرصة الخارج إلى انتظام في الداخل. من دون ذلك، يذهب باراك، ويبقى السوريون أمام السؤال نفسه: ماذا تغير فعلاً؟

وفي ختام القول، لا بد من التأكيد على مسألة شديدة الأهمية، وهي أن المبعوث الأمريكي، باراك أو غيره، إنما هو في الواقع مُعبّر عن السياسة الأمريكية تجاه سوريا، لا صانع لها. وحين يغيب هذا المبعوث، أكان باراك أم غيره، فإن تلك السياسة تبقى حاضرة، ويتولى التعبير عنها شخص آخر.

وللأمانة التاريخية، فقد حملت مرحلة باراك الكثير من «الوقاحة» الأمريكية تجاه سوريا ودول المنطقة وشعوبها، من خلال وصفها بأنها شعوب فوضوية وقبائلية وعشائرية. فهل سيتغير ذلك؟

لا يعتقد كاتب هذه السطور أن سياسة أمريكا تجاه المنطقة وسوريا، ولا نظرتها إلى شعوبها، ستتغير. فمن الواضح للمتابع كيف تدير أمريكا الفوضى التي تغذيها، والتي تدفع ربيبتها «إسرائيل» إلى تأجيجها، في لحظة احتقان إقليمي ودولي شديدة الحساسية. قد يتغير شكل التعبير عن هذه السياسة الأمريكية، لكن السياسة نفسها ليس من المرجح أن تتغير مع تغيّر المبعوث باراك ومجيء غيره.

اقرأ أيضاً: سوريا «مختبر لتوافق إقليمي»: قراءة في تصريحات باراك بعد غيابه الطويل

المدير العام

بقلم: المدير العام

كاتب ومحرر في سوريا نيوز. تغطية شاملة للأحداث لحظة بلحظة.