امتحانات الشهادتين في السويداء بين قرار النقل إلى دمشق وقلق الطلاب والأهالي

امتحانات الشهادتين في السويداء بين قرار النقل إلى دمشق وقلق الطلاب والأهالي

بقلم هلا يوسف

في كل بيت في السويداء تقريباً، هناك طالب أو طالبة يعيش هذه الأيام حالة انتظار صعبة ليس بسبب الامتحان وحده، بل نتيجة تفكيرهم بأسئلة لا تتعلق بالمنهاج: مثل كيف سيصل إلى امتحانه؟ وهل ستسمح الظروف أن تكون هذه الرحلة آمنة وممكنة أصلاً؟ فقد جاء قرار نقل امتحانات الشهادتين إلى دمشق وريفها كالصاعقة على الأهالي والطلاب معاً، لذلك لم يمر كخبر إداري عابر، بل دخل إلى تفاصيل البيوت، إلى أحاديث الأهالي في المساء، وإلى قلق الطلاب الذين كانوا يظنون أن نهاية العام الدراسي ستكون مجرد أيام من التوتر الدراسي المعتاد.

فقد أعلنت وزارة التربية والتعليم أن امتحانات شهادتي التعليم الأساسي والثانوية العامة للعام الحالي لن يتم إجراءها داخل السويداء، بل سيتم نقلها إلى مراكز في دمشق وريفها. وبررت الوزارة قرارها بأنها تريد تأمين بيئة امتحانية أكثر استقراراً، تضمن العدالة بين الطلاب، وتسمح بإشراف مباشر من لجان وزارية على سير الامتحانات.

جاء القرار قبل موعد الامتحانات بحوالي ثلاثة أسابيع فقط، إذ من المقرر أن تبدأ امتحانات التعليم الأساسي في الرابع من حزيران، بينما تبدأ امتحانات الثانوية العامة في السادس من الشهر نفسه. هذا التوقيت جعل كثيراً من العائلات تشعر أن القرار جاء بشكل مفاجئ، خاصة أن الاستعدادات كانت قائمة على أن الامتحانات ستبقى داخل المحافظة كما في بعض التجارب السابقة.

ويشمل القرار أكثر من ثلاثة عشر ألف طالب وطالبة من طلاب الشهادات في السويداء، وهو رقم كبير يعكس حجم التأثير المباشر على المجتمع المحلي.

خلفية الخلاف بين الجهات التعليمية

هذا القرار لم يأتِ من فراغ، بل جاء بعد سلسلة من الخلافات بين وزارة التربية ومديرية التربية في السويداء حول طريقة إدارة الامتحانات. ففي العام الماضي، جرت الامتحانات داخل المحافظة بطريقة مختلفة عن الإشراف الوزاري الكامل، وهو ما أدى لاحقاً إلى مشاكل تتعلق بالاعتراف ببعض النتائج والشهادات، وأثار جدلاً واسعاً حول مدى قانونية وآلية تلك التجربة.

لذلك تمسكت وزارة التربية هذا العام بضرورة دخول لجنة وزارية إلى السويداء للإشراف المباشر على الامتحانات، مع الحديث عن إمكانية وجود جهات محايدة أو منظمات إنسانية للمراقبة. في المقابل، كانت هناك مطالب محلية بإجراء الامتحانات داخل المحافظة مع ضمانات واضحة تمنع أي تدخل خارجي في العملية الامتحانية، وسط تضارب في الروايات حول مدى التفاهم بين الطرفين.

هذا الخلاف لم يبقَ في الإطار الإداري فقط، بل امتد إلى الشارع، خاصة بعد توتر داخل مديرية التربية في السويداء، وما رافقه من تغييرات إدارية واعتراضات محلية، مما جعل ملف الامتحانات مرتبطاً أيضاً بسؤال أكبر حول من يدير التعليم في المحافظة وكيف يتم الاعتراف بشهادات طلابها.

الطلاب والأهالي بين القلق والواقع الصعب

مع إعلان القرار، بدأت ردود الفعل تظهر بسرعة داخل السويداء، خصوصاً من الطلاب والأهالي الذين وجدوا أنفسهم أمام واقع جديد لم يكن في الحسبان. كثير من العائلات قالت إن المشكلة لا تتعلق بالامتحان نفسه فقط، بل بكل ما يرافقه من تفاصيل الحياة اليومية، من السفر إلى الإقامة، ومن تأمين المواصلات إلى القلق على الأبناء في الطريق.

وفي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، أصبح موضوع التكاليف عبئاً حقيقياً على كثير من الأسر. بعض الأهالي تحدثوا عن أنهم سيضطرون للبحث عن سكن مؤقت في دمشق أو ريفها خلال فترة الامتحانات، بينما لا يملك آخرون القدرة على ذلك أصلاً. هذا التفاوت خلق شعوراً بعدم المساواة بين الطلاب، لأن الطالب القادر مادياً سيكون في وضع مختلف تماماً عن طالب آخر لا يستطيع تحمل هذه التكاليف.

ويزداد القلق مع الحديث عن أعداد الطلاب الكبيرة، إذ يتجاوز العدد ثلاثة عشر ألف طالب، ما يطرح تساؤلات حول قدرة مراكز دمشق على الاستيعاب، وحول كيفية تنظيم هذا العدد خلال فترة زمنية قصيرة.

واقع التعليم خلال العام الدراسي

وبالعودة إلى العام الدراسي في السويداء، يمكن القول أنه لم يكن مستقراً بشكل كامل، فقد شهد انقطاعات متكررة في الدوام المدرسي، وتأخراً في إنهاء المناهج، بالإضافة إلى ظروف معيشية أثرت بشكل مباشر على الطلاب والمعلمين. كما شهدت بعض المدارس إضرابات متقطعة للمعلمين بسبب تأخر الرواتب أو الظروف الاقتصادية، ما انعكس على جودة التعليم وانتظامه.

في ظل هذا الواقع، لجأ عدد كبير من الطلاب إلى الدروس الخصوصية والمعاهد التعليمية لتعويض الفاقد الدراسي. لكن هذا الخيار لم يكن متاحاً للجميع، لأن تكلفته أصبحت مرتفعة جداً مقارنة بدخل معظم العائلات.

إحدى المعلمات في السويداء أشارت إلى أن الإقبال على الدروس هذا العام أقل من السنوات السابقة، وأن كثيراً من الطلاب يعانون من ضغط نفسي ومادي، وبعضهم لم يعد قادراً على الاستمرار في هذا النوع من التعليم المساعد. أما أسعار الدروس، فقد وصلت في بعض الحالات إلى مبالغ كبيرة جداً، حيث قد تبلغ ساعة الدرس الواحد في المرحلة الثانوية عشرات آلاف الليرات، وهو ما جعل الأمر خارج قدرة الكثير من الأسر.

وقد عبر الطلاب أيضاً عن حالتهم بطرق مختلفة، لكن المشترك بينهم هو القلق وعدم الاستقرار. بعضهم قال إنه بدأ الدراسة عبر الإنترنت في البداية، لكنه لم يجد فيها ما يكفي للفهم، مما اضطره إلى اللجوء إلى الدروس الخصوصية رغم تكلفتها العالية. آخرون تحدثوا عن أن التفكير بالسفر إلى دمشق أصبح يشغلهم بقدر ما يشغلهم الامتحان نفسه، لأن تفاصيل الطريق والإقامة أصبحت جزءاً من يومهم الدراسي.

بينما أشارت طالبات في المرحلة الثانوية إلى أن بعض العائلات بدأت بحساب مصاريف النقل والإقامة قبل حتى التفكير بالنتائج والدراسة.

وبسبب تراكم الأسباب الثقيلة على الطلاب والأهالي، ظهرت في السويداء دعوات شعبية وطلابية تطالب بإعادة الامتحانات إلى داخل المحافظة، واعتبار التعليم حقاً لا يجب ربطه بالخلافات السياسية أو الإدارية. كما خرجت وقفات احتجاجية شارك فيها طلاب وأهالٍ ومعلمون، ركزت على فكرة أن الطالب يجب أن يكون خارج أي صراع، وأن الامتحان يجب أن يبقى عملية تعليمية خالصة.

في المقابل، ظهرت آراء أخرى ترى أن استمرار الخلاف بين الجهات المحلية والوزارة قد يعيد أزمة الاعتراف بالشهادات، وهو ما قد يضر بالطلاب بشكل أكبر على المدى البعيد. وبين هذين الرأيين، بقيت العائلات تبحث عن حل يضمن أبناءها ويجنبهم أي مخاطر أو أعباء إضافية.

في النهاية، قد يختلف الناس في تفسير القرار، وقد تتباعد وجهات النظر لكن ما لا يختلف عليه أحد هو أن الطالب يبقى هو الطرف الأضعف في كل هذه التفاصيل، فهؤلاء الطلاب لا يفكرون اليوم في الخلافات ولا في القرارات بقدر ما يفكرون في شيء أبسط بكثير وهو أن يجلسوا في قاعة امتحان هادئة، يصلون إليها دون خوف أو قلق، ويكتبون ما تعبوا من أجله طوال عام كامل.

اقرأ أيضاً: قطع الإنترنت في سوريا بسبب الامتحانات خيار سنوي مثير للجدل

المدير العام

بقلم: المدير العام

كاتب ومحرر في سوريا نيوز. تغطية شاملة للأحداث لحظة بلحظة.