الكاتب: أحمد علي
لا ينتظر الطفل اكتمال الخطط كي يكبر، فهو يكبر بما يتوفر له الآن، بالغذاء الذي يصله أو لا يصله، باللقاح، بالحضانة، وباللغة الأولى التي يسمعها في البيت والصف. من هذه الزاوية تبدو الاستراتيجية الوطنية لتنمية الطفولة المبكرة في سوريا، الممتدة من 2026 إلى 2030، أكثر من وثيقة اجتماعية جديدة. إنها محاولة لملامسة نقطة حساسة في إعادة بناء المجتمع، نقطة لا تظهر ضجيجاً سياسياً كبيراً، لكنها تترك أثرها الطويل في المدرسة والعمل والعلاقة مع الدولة.
أُطلقت الاستراتيجية في دمشق يوم 17 أيار 2026، برعاية وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وبالتعاون مع الهيئة السورية لشؤون الأسرة والسكان ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف». الفئة المستهدفة لا تقف عند أطفال الروضة كما يتبادر إلى الذهن. الحديث يمتد من مرحلة ما قبل الولادة حتى سن الثامنة، مع تركيز خاص على الأطفال ذوي الإعاقة والأطفال الأكثر هشاشة. هنا يبدأ السؤال الحقيقي. هل تستطيع سوريا أن تجعل الطفولة المبكرة مدخلاً لإعادة البناء الاجتماعي، أم ستبقى الخطة نصاً جيداً ينتظر شروطه الصعبة؟
استراتيجية الطفولة المبكرة تبدأ من العمر الصغير لا من الخطاب الكبير
الاستراتيجية، بحسب ما نُشر عن إطلاقها، تقوم على الوصول والإنصاف والشمولية والجودة والاستدامة، وعلى قرارات مبنية على البيانات، مع تمكين الأسرة بوصفها الحلقة الأولى في حياة الطفل. هذه عبارات مألوفة في الوثائق الحكومية والدولية. لكن قيمتها لا تتحدد بجمال صياغتها، بل بقدرتها على الوصول إلى الطفل خارج المركز، في الريف، وفي مناطق العودة، وفي الأسر التي لا تملك كلفة الرعاية أو النقل أو العلاج.
السنوات الأولى ليست هامشاً. الطفل الذي يدخل الصف الأول بلا استعداد صحي ولغوي واجتماعي لا يبدأ من النقطة نفسها التي يبدأ منها غيره. قد يلحق بالركب، وقد لا يلحق. لذلك يصبح الاستثمار في هذه المرحلة، إذا أُخذ بجدية، سياسة عامة لا عملاً رعائياً فقط. فالحضانة ليست مكان انتظار، والكشف المبكر ليس إجراءً طبياً معزولاً، والتغذية ليست ملفاً صحياً منفصلاً عن التعليم.
بهذا المعنى، تقترب الاستراتيجية من منطقة مركبة. الصحة جزء منها، والتعليم جزء ثان، والحماية الاجتماعية جزء ثالث، لكن أي جزء لا يستطيع وحده حمل المسألة كلها. إن عولجت الطفولة المبكرة كملف قطاعي ضيق، ستضيع بين الوزارات. وإن عولجت كشبكة خدمات، فقد تصبح واحدة من أدوات ترميم الثقة الضعيفة بين الأسرة والمؤسسة العامة.
الأرقام التي تضيّق هامش الكلام
الأرقام التي عُرضت عند الإطلاق تكشف حجم المسافة بين النية والتنفيذ. ممثل وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بهجت حجار قال إن 5.5 بالمئة من الأطفال دون الخامسة يعانون من سوء تغذية حاد، وإن 17.3 بالمئة يعانون من التقزم، مع وصول معدلات التسرب من التعليم الأساسي في بعض المحافظات إلى أكثر من 30 بالمئة. هذه ليست مؤشرات منفصلة. إنها سلسلة واحدة تبدأ من الجسد، ثم تصل إلى الصف، ثم تظهر في المجتمع لاحقاً.
تقرير اليونيسف عن أولوياتها في سوريا للفترة 2025-2026 يضع المسألة ضمن إطار أوسع. وفق التقرير، كان 16.7 مليون شخص بحاجة إلى دعم إنساني عام 2025، بينهم 7.5 ملايين طفل. كما يذكر أن 2.45 مليون طفل خارج المدرسة، وأن مليوني طفل معرضون لخطر سوء التغذية. الأرقام هنا لا تحتاج إلى تضخيم. هي كافية بذاتها. وهي تقول إن الطفولة المبكرة في سوريا لا تتحرك داخل بيئة طبيعية، بل داخل ضغط اجتماعي واقتصادي وصحي وتعليمي متراكم.
لهذا لا يكفي أن تُعلن الاستراتيجية. المطلوب أن تُقرأ مع هذه الخلفية. فالخطة التي تستهدف الطفل حتى سن الثامنة لا تدخل إلى فراغ. تدخل إلى بيوت أنهكها الفقر، وإلى مدارس تحتاج ترميماً وكادراً، وإلى مراكز صحية لا تعمل كلها بالطاقة المطلوبة، وإلى أسر عادت من النزوح أو ما زالت تبحث عن استقرارها الأول.
من الوثيقة إلى الخدمة حيث يُختبر الرهان
واحد من أهم مفاتيح الخطة هو مشروع «الألف يوم الأولى من حياة الطفل». بدأت الجهات التربوية المختصة عام 2024 بإعداد دليل خاص بهذا الملف، ثم جاءت ورشة أيار 2026 لإعداد دليل وطني لتحسين جودة الرعاية للأطفال منذ الولادة حتى سن الثالثة. يدور الأمر حول تنمية الدماغ، والرعاية المستجيبة، وتهيئة بيئة داعمة، وتدريب مقدمي الرعاية وجليسات الأطفال. هنا تتضح المسألة أكثر. ليست المشكلة في قلة العناوين، بل في تحويل العنوان إلى خدمة يومية.
الألف يوم الأولى تعني أمّاً تعرف متى تطلب المساعدة. تعني مركزاً صحياً قادراً على الكشف المبكر. تعني حضانة لا تكتفي بالحراسة. تعني غذاءً لا يترك أثره على الطول والانتباه واللغة. وتعني قبل ذلك كله إدارة قادرة على التنسيق، لأن الطفل لا يعيش مقسماً بين ملفات الوزارات.
تتلاقى هذه الفكرة مع ما أعلنته وزارة التربية والتعليم في نيسان 2026 حول التعامل مع مرحلة الطفولة المبكرة بوصفها جزءاً لا يتجزأ من السلم التعليمي الأساسي. كما طُرح توسيع مشروع «شِعَب استعدوا» ليشمل المحافظات السورية، والسعي إلى تحويل المركز الإقليمي لتنمية الطفولة المبكرة إلى إدارة مركزية تشرف على القطاع. هذا الاتجاه مهم، لأنه ينقل ما قبل المدرسة من هامش الرعاية إلى صلب السياسة التعليمية. لكنه سيبقى ناقصاً إن لم يُقاس بعدد الأطفال الذين وصلتهم الخدمة، لا بعدد الاجتماعات التي ناقشتها.
الرهان، في النهاية، ليس على الوثيقة بذاتها. الوثائق قد تُكتب جيداً وتبقى بعيدة عن الأرض. الرهان على أن تتحول استراتيجية الطفولة المبكرة إلى نظام متابعة وتمويل وتدريب ومساءلة. أن يعرف الناس أين تحسنت الخدمة، وأين بقيت غائبة، وأي منطقة تحتاج تدخلاً أسرع. دون ذلك، ستبقى الاستراتيجية خبراً إيجابياً في يوم إطلاقها، ثم تعود الطفولة إلى انتظارها الطويل.
الخلاصة واضحة. إذا استطاعت الخطة أن تربط الصحة بالتعليم والحماية، وأن تصل إلى الطفل قبل أن يصل الضرر إلى المدرسة، فستكون خطوة مبكرة في إعادة البناء الاجتماعي. أما إذا بقيت عند حدود اللغة العامة، فستضيف وثيقة جديدة إلى رف طويل. والطفل، كما قلنا، لا ينتظر.
اقرأ أيضاً: كاريكاتير: معاناة تعليم الأطفال في المناطق المدمرة