الكاتب: أحمد علي
لا تقول المناورات العسكرية كل شيء. لكنها، في لحظات معينة، تقول ما لا تستطيع البيانات السياسية قوله بوضوح كامل. مشاركة الجيش السوري الجديد في مناورات “إيفيس 2026” في تركيا تقع في هذا الموضع الحساس، بين التدريب والرسالة، وبين إعادة بناء المؤسسة العسكرية والبحث عن اعتراف عملي بها خارج الحدود.
الحدث ليس كبيراً بحجمه السوري المعلن فقط. قيمته تأتي من كونه أول ظهور خارجي واضح للجيش بعد إعادة تشكيله، وفي بلد يرتبط بالملف السوري بأكثر من خط تماس. تركيا ليست ساحة محايدة بالنسبة إلى دمشق. هي جار، وفاعل أمني، وطرف في معادلات الحدود والشمال السوري، وشريك محتمل في إعادة بناء جزء من القدرات العسكرية السورية.
لذلك لا يكفي أن يقال إن وفداً عسكرياً حضر مناورة. السؤال الأهم هو ماذا يعني أن يكون هذا الحضور في تركيا، وفي تمرين بهذا الحجم، وفي هذا التوقيت تحديداً.
إيفيس 2026: ظهور عسكري أم إشارة اصطفاف؟
بحسب وكالة سانا، وصل رئيس هيئة الأركان العامة في الجيش العربي السوري اللواء علي النعسان إلى تركيا يوم 20 أيار 2026، يرافقه عدد من الضباط، لحضور مناورات EFES 2026، ولقاء نظيره التركي الفريق أول سلجوق بيرقدار أوغلو. ونشرت الوكالة صوراً لمشاركة الجيش السوري في المناورات المقامة على الأراضي التركية.
هذه التفاصيل تبدو بروتوكولية للوهلة الأولى. لكنها ليست كذلك تماماً. مستوى التمثيل هنا ليس منخفضاً، والمكان ليس عادياً، وطبيعة النشاط ليست زيارة مجاملة. نحن أمام انتقال من التنسيق السياسي والأمني إلى مساحة تدريبية معلنة، تشارك فيها قوات متعددة الجنسيات، وتظهر فيها وحدات سورية ضمن إطار عسكري تقوده تركيا.
مناورات إيفيس 2026، وفق بيانات منشورة عن التمرين، شهدت مشاركة 10,388 عسكرياً، بينهم 1,398 عسكرياً من 50 دولة. وجرت على مرحلتين، الأولى بين 11 و17 نيسان كتمرين مركز قيادة مدعوم حاسوبياً، والثانية بين 20 نيسان و21 أيار كتمرين ميداني بالذخيرة الحية. وامتدت الأنشطة إلى غرب الأناضول ووسط إيجة وإسطنبول وخليج إزمير ومنطقة دوغانباي للرماية.
بهذا المعنى، لا تقف المشاركة السورية عند حدود الصورة. هي دخول إلى بيئة تدريبية واسعة، تتعامل مع عمليات برية وبحرية وجوية، ومع تهديدات غير متماثلة، ومع عناصر من الدفاع السيبراني والعمليات المشتركة. أي أنها تمنح الجيش السوري الجديد فرصة احتكاك أولى خارج الإطار المحلي، لكنها في الوقت نفسه تضعه داخل مشهد إقليمي له حساباته.
ما بين التدريب والرسالة
التدريب العسكري يحمل دائماً مستويين. مستوى تقني يتعلق بالجاهزية والسلاح والانضباط، ومستوى سياسي يتعلق بمن يتدرب مع من، وأين، وتحت أي عنوان. في حالة إيفيس 2026، لا يمكن فصل المستويين.
تقارير ومواد مصورة أظهرت مشاركة عسكريين سوريين في تدريبات مدفعية وقذائف هاون. كما أوردت وكالة الأناضول عبر خدمة رويترز أن 93 عسكرياً من تسع دول، بينها سوريا، شاركوا يوم 1 أيار 2026 في تدريب للبحث داخل الكهوف والملاجئ والأنفاق في إزمير. هذه عناوين ليست بعيدة عن طبيعة الصراعات التي عرفتها سوريا والمنطقة خلال السنوات الماضية، حيث لم تعد الجبهة خطاً واضحاً دائماً، ولم تعد المعركة مواجهة كلاسيكية بين جيشين.
لكن الدلالة لا تنحصر في نوع التدريب. ظهور قوات سورية في تمرين تركي بهذا الحجم يعطي أنقرة موقعاً متقدماً في مسار إعادة تأهيل الجيش السوري الجديد. هذا لا يعني أن دمشق صارت تابعة عسكرياً لأنقرة، ولا أن التوازنات حُسمت. لكنه يعني أن تركيا باتت بوابة عملية، أو واحدة من البوابات، التي يمر عبرها جزء من إعادة البناء العسكري السوري.
هذا المسار لم يبدأ من المناورة وحدها. في آب 2025، قالت مصادر في وزارة الدفاع التركية إن أنقرة ستقدم لسوريا أنظمة أسلحة ومعدات ومواد لوجستية، بموجب اتفاق تعاون دفاعي يتضمن التدريب والاستشارات. وذكرت وكالة أسوشيتد برس أن الاتفاق يهدف إلى تعزيز قدرات الحكومة السورية بعد سنوات الحرب وتحديات استعادة الاستقرار. من هنا تبدو إيفيس 2026 خطوة تطبيقية ضمن سياق أوسع، لا حدثاً منفصلاً.
الجيش الجديد وسؤال المؤسسة
يبقى السؤال الأكبر داخل سوريا لا خارجها. ما الذي تعنيه المشاركة في مناورة دولية إذا لم تتحول إلى جزء من بناء مؤسسة عسكرية موحدة ومنضبطة؟ فالمشكلة السورية لم تكن يوماً نقص التدريب وحده. كانت أيضاً في تفكك القرار، وتعدد السلاح، وتداخل العسكري بالسياسي، ووجود تشكيلات خرجت من الحرب بأدوار مختلفة وولاءات متفاوتة.
لهذا تبدو المناورة اختباراً أولياً لصورة الجيش، لا شهادة جاهزية له. الجيش لا يصبح جديداً بمجرد الاسم، ولا بمجرد الزي، ولا بمجرد حضوره إلى جانب جيوش أخرى. يصبح كذلك عندما يمتلك قيادة واضحة، وقواعد دمج معلنة، ونظام تدريب موحداً، ورواتب مستقرة، وتسليحاً مضبوطاً، ومساءلة داخلية تجعل السلاح تابعاً للمؤسسة لا العكس.
هناك أيضاً حسابات إقليمية لا يمكن تجاهلها. تركيا تنظر إلى الجيش السوري المركزي بوصفه عاملاً محتملاً لضبط الحدود والتعامل مع القوى التي تعدها تهديداً مباشراً، وفي مقدمتها قوات سوريا الديمقراطية التي تصنفها أنقرة امتداداً لحزب العمال الكردستاني. دمشق، من جهتها، تحتاج إلى دعم خارجي لإعادة بناء مؤسسة أنهكتها الحرب. هذا التقاطع يصنع مصلحة مشتركة، لكنه لا يلغي حساسية العلاقة.
أطراف أخرى ستقرأ المشهد بطريقتها. إسرائيل ستراقب أي تغير في قدرات الجيش السوري. القوى الكردية ستنظر إلى تعميق التعاون العسكري بين دمشق وأنقرة بوصفه ضغطاً مباشراً. وبعض الأطراف العربية والدولية ستسأل إن كان هذا المسار يساعد على توحيد السلاح السوري، أم يضع المؤسسة الجديدة تحت تأثير رعاية خارجية ثقيلة.
لذلك، فإن دلالة إيفيس 2026 لا تكمن في عدد المشاركين فقط، ولا في الصور المنشورة من الميدان. الدلالة الأهم أنها تطرح سؤال الموقع القادم للجيش السوري الجديد. هل يكون أداة لإعادة بناء الدولة وضبط السلاح وتوحيد القرار، أم يصبح جزءاً من خرائط التوازن الإقليمي التي تتحرك فوق الأرض السورية وحولها؟
الخلاصة هادئة لكنها واضحة. مناورات إيفيس 2026 لا تمنح الجيش السوري الجديد اعترافاً كاملاً ولا جاهزية نهائية. لكنها تمنحه أول منصة خارجية جدية للظهور. وهذه البداية قد تكون مفيدة إذا لحقتها خطوات داخلية صلبة. أما إذا بقيت عند حدود الرمزية والصور، فستبقى مناورة أخرى في سجل طويل من الإشارات التي لا تغير شيئاً كثيراً على الأرض.
اقرأ أيضاً: إعادة بناء الجيش السوري وأسئلة الدولة الجديدة؟