بقلم هلا يوسف
بعد سنوات طويلة من النزوح والحياة داخل الخيام، أصبحت المخيمات في شمال سوريا تمثل أزمة إنسانية واقتصادية واجتماعية معقدة، يعيش فيها مئات آلاف السوريين وسط ظروف صعبة تفتقر إلى الاستقرار والخدمات الأساسية. ومع استمرار معاناة النازحين، بدأت الحكومة السورية بالتحرك نحو مشروع جديد يحمل عنوان “سوريا بلا مخيمات”، في محاولة لتحويل ملف النزوح من حالة إغاثية مؤقتة إلى خطة تعافٍ طويلة الأمد.
وجاء الإعلان عن تقديم المملكة العربية السعودية دعماً مالياً بقيمة 1.5 مليار دولار ليمنح المشروع دفعة قوية، ويعيد فتح النقاش حول إمكانية إنهاء أزمة المخيمات بشكل تدريجي، عبر إعادة السكان إلى مناطقهم الأصلية، وتأمين مساكن وخدمات وفرص عمل تساعدهم على بدء حياة أكثر استقراراً.
ولا يقتصر المشروع على بناء المنازل فقط، بل يشمل إعادة تأهيل البنية التحتية وتحسين قطاعات التعليم والصحة والطاقة، بالإضافة إلى دعم فرص العمل والتنمية المحلية. لذلك ينظر كثير من المسؤولين والخبراء إلى المشروع باعتباره خطوة قد تغير الواقع الإنساني والاقتصادي في الشمال السوري إذا نجحت خططه وتم تأمين التمويل الكافي لاستمراره.
الدعم السعودي وخطة الحكومة السورية
أوضح رئيس قسم التعاون الأممي في وزارة الخارجية السورية محمد بطحيش أن الحكومة السورية بدأت بالتواصل مع الاتحاد الأوروبي وعدد من الدول المانحة من أجل تأمين دعم إضافي للمشروع خلال العامين الحالي والمقبل.
وتركز الخطة الحكومية على تفكيك المخيمات تدريجياً، وإعادة النازحين إلى مدنهم وقراهم، مع توفير بيئة مناسبة للحياة والعمل. كما تشمل الخطة إنشاء مساكن بديلة، وتحسين الخدمات الأساسية، وتشجيع السكان على الاعتماد على العمل والإنتاج بدلاً من الاعتماد الكامل على المساعدات الإنسانية.
وفي شباط الماضي، عقد الرئيس السوري أحمد الشرع اجتماعاً مع وزراء الطوارئ والإسكان والمالية، إضافة إلى محافظي إدلب وحماة وحلب، لمناقشة آليات تنفيذ المشروع والتحديات التي تواجهه.
كما أوضح معاون وزير الطوارئ وإدارة الكوارث أحمد قزيز أن الدعم السعودي لا يقتصر على قطاع واحد فقط، بل يشمل عدة قطاعات مثل الإسكان والتعليم والصحة والطاقة والبنية التحتية. وأشار إلى أن المرسوم رقم 59 كلّف وزير الطوارئ رائد الصالح بإدارة اللجنة المشرفة على المشروع، والتي تضم عدداً من الوزارات والمحافظات.
وأكد قزيز أن جزءاً من التمويل سيستخدم في ترميم المدارس وبناء مدارس جديدة، إضافة إلى تنفيذ مشاريع صحية وخدمية وتحسين البنية التحتية في المناطق المستهدفة.
التحديات واحتياجات المشروع
بين أحمد قزيز أن الجهات الحكومية أجرت دراسات ميدانية داخل مخيمات إدلب وحلب لمعرفة أسباب عدم عودة النازحين حتى الآن، كما تعمل الحكومة على إنشاء منصة إلكترونية تعرض احتياجات المناطق التي ستشهد عودة للسكان.
وأشار إلى أن تحديد أولويات إغلاق المخيمات يعتمد على عدة عوامل، منها عدد النازحين في كل منطقة، والوضع الاجتماعي للأسر، وتوفر فرص العمل والخدمات الأساسية، إضافة إلى حالة البنية التحتية.
كما تأخذ الخطة بعين الاعتبار أوضاع الفئات الأكثر ضعفاً مثل الأرامل وذوي الإعاقة والأطفال غير المصحوبين، إلى جانب المخيمات الموجودة في مناطق معرضة للفيضانات والكوارث الطبيعية.
ورغم أهمية التمويل السعودي، أكد قزيز أن مبلغ 1.5 مليار دولار لا يكفي لتغطية جميع احتياجات المشروع، خاصة أن عمليات إعادة الإعمار وتحسين البنية التحتية تحتاج إلى مبالغ كبيرة جداً.
وفي السياق نفسه، أعلنت المنسقة المقيمة للأمم المتحدة في سوريا ناتالي فوستيه استعداد الأمم المتحدة لدعم مشروع “سوريا بلا مخيمات”، من خلال دعم مشاريع إعادة التأهيل والخدمات الأساسية وتشجيع العودة الطوعية للنازحين.
الأبعاد الاقتصادية للمشروع
يرى المدير التنفيذي لصندوق “حياة” للتمويل الأصغر محمد البهاء أن المشروع يمثل بداية لمرحلة التعافي الاقتصادي والاجتماعي، لأن بقاء الناس في المخيمات لفترات طويلة يعرقل أي عملية استقرار أو تنمية.
وأوضح أن المخيمات أُنشئت كحلول مؤقتة، لذلك فهي لا توفر بيئة مناسبة للعمل أو التعليم أو الخدمات الصحية بشكل مستقر. وأضاف أن تحسين المدارس والمراكز الصحية وشبكات الصرف الصحي وإزالة الألغام قد يشجع السكان على العودة إلى مناطقهم الأصلية.
من جهته، قال الخبير الاقتصادي عامر الكاطع إن نجاح المشروع لا يعتمد على بناء المساكن فقط، بل يحتاج أيضاً إلى توفير فرص عمل ومشاريع إنتاجية داخل المناطق الجديدة، مثل الصناعات الصغيرة والمشاريع الزراعية.
وأشار إلى أن الاعتماد على العمالة المحلية في البناء والتشغيل يمكن أن يخلق فرص عمل جديدة ويخفف الاعتماد على المساعدات الإنسانية مع مرور الوقت.
أما الخبير الاقتصادي عبد الغفور النزاع، فأوضح أن المشروع يحتاج إلى تمويل ضخم يفوق الإمكانات الحالية للدولة السورية. وذكر أن عدد المخيمات في شمال سوريا يبلغ نحو 840 مخيماً، بينما يتجاوز عدد النازحين في إدلب وحدها 719 ألف شخص.
وأضاف أن تكلفة المشروع قد تتراوح بين 3 و5 مليارات دولار خلال مدة تتراوح بين 3 و5 سنوات، مشيراً إلى أن نجاح المشروع قد يساعد في خلق آلاف فرص العمل وتحسين الوضع الاقتصادي في الشمال السوري.
في الختام، يمثل مشروع “سوريا بلا مخيمات” خطوة مهمة لمعالجة واحدة من أكبر القضايا الإنسانية في سوريا، وهي قضية النزوح الداخلي. فالمشروع لا يهدف فقط إلى إغلاق المخيمات، بل يسعى أيضاً إلى تحسين ظروف المعيشة وإعادة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للمناطق المتضررة. ورغم وجود تحديات كبيرة تتعلق بالتمويل والبنية التحتية، فإن الدعم السعودي والدعم الدولي المتوقع قد يساعدان في تحويل المشروع من فكرة إنسانية إلى خطة تنفيذية تسهم في إعادة بناء حياة النازحين وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار في سوريا.
اقرأ أيضاً: العقارات المغتصبة في حلب: صراع طويل لاستعادة الحقوق بعد النزوح