عطينا طريق يا فهمان ! قوانين السير إلى أين؟

عطينا طريق يا فهمان ! قوانين السير إلى أين؟

عطينا طريق يا فهمان ! 

 

هذه أول عبارة سمعتها عند إشارة المرور الحمراء في ساحة السبع بحرات وسط دمشق !

 

اقتربت من شرطي المرور بعد أن أدركت أنني الشخص الوحيد الذي توقف عند الإشارة الحمراء وسألته :

 

اللون الأحمر هل يعني مسموح المرور ؟

 

أجابني وهو ينظر إلى جواله لا .. بس الظاهر الأخ كاين مغترب !!

 

في تركيا كنت أعتقد أنني أعرف السواقة ، أو على الأقل هكذا كانت تقول شهادة القيادة التي منحتني إياها السلطات المسؤولة. 

 

بعد أول عشر دقائق لي خلف المقود في سوريا اكتشفت الحقيقة:

 

أنا لم أكن أعرف السواقة التي يعرفها السوريين

أنا كنت أعرف القوانين التركية

 

وهناك فرق.

 

أول شيء فعلته كان شيئًا طبيعيًا جدًا.

 

تركت مسافة أمان بيني وبين السيارة التي أمامي.

 

خطأ مبتدئ.

 

خلال ثوانٍ دخلت فيها سيارة.

 

ثم دراجة نارية.

 

ثم حاول ميكروباص أن يدخل أيضًا.

 

نظرت إلى المسافة التي تركتها واكتشفت أن أزمة السكن في سوريا وصلت إلى الشوارع.

 

أي مساحة فارغة يتم إشغالها فورًا.

 

في تركيا تتعلم أن تترك بينك وبين السيارة أمامك مسافة تكفي للتوقف بأمان.

 

في سوريا إذا تركت هذه المسافة، السائق خلفك ينظر إليك على أنك رجل يمتلك أرضًا ولا يستثمرها.

 

يقول في نفسه:

 

شو تارك كل هالمساحة؟

 

ويأتي شخص آخر يستثمرها بدلًا منك.

 

بعد منشور شراء البيت ومنشور الإيجارات…

 

اكتشفت أن حتى المسافة الآمنة لا تبقى شاغرة طويلًا.

 

ثم جاءت أول دراجة نارية.

 

لم أرها تدخل.

 

وجدتها فقط موجودة.

 

ظهرت بيني وبين السيارة الأمامية بالطريقة نفسها التي تظهر بها الإعلانات المنبثقة على المواقع المشبوهة.

 

من أين جاءت؟

 

لا أعرف.

 

إلى أين ستذهب؟

 

يبدو أن صاحبها نفسه لا يعرف.

 

مرة عن يمينك.

 

مرة عن يسارك.

 

ثم تختفي.

 

وبعد ثانيتين تراها في المرآة أمام سيارة تبعد عنك خمسين مترًا.

 

وصرت قبل أن أغير مسربي أنظر في المرآة.

 

ثم إلى اليمين.

 

ثم اليسار.

 

ثم مرة ثانية في المرآة.

 

ثم تقريبًا إلى السماء.

 

لأنني لم أعد واثقًا من الجهات التي يمكن أن تأتي منها المركبة التالية.

 

والمشكلة أن سنوات القيادة خارج سوريا تعيد برمجة جسمك دون أن تنتبه.

 

الإشارة عندي أصبحت شيئًا مقدسًا.

 

أريد أن ألف يمينًا؟

 

أعطي إشارة.

 

أغير مسربًا؟

 

إشارة.

 

أدخل إلى شارع؟

 

إشارة.

 

في أول يوم شعرت أنني الرجل الوحيد في الحفلة الذي جاء مرتديًا ربطة عنق.

 

أعطي غمازًا قبل أن أغير المسرب بثلاث ثوانٍ.

 

وأنتظر.

 

وأتأكد.

 

وأتحرك بهدوء.

 

والسائق خلفي غالبًا يكون قد فهم خطتي، وتجاوزني، ونفذها عني، ووصل قبل أن أنتهي أنا من الإجراءات الدبلوماسية.

 

ثم وصلت إلى دوار.

 

وهنا بدأت أشعر أن الشهادة التركية التي في رأسي لا تعترف بها هذه المؤسسة.

 

في الخارج، تعرف غالبًا من له الأولوية.

 

تنظر.

 

تنتظر.

 

تدخل.

 

أما هنا، فوقفت لحظة أبحث عن المنطق.

 

دخلت سيارة.

 

ثم أخرى.

 

ثم ثالثة.

 

رجل من اليمين.

 

آخر من اليسار.

 

سيارة نصفها داخل الدوار ونصفها خارج النظام الشمسي.

 

وأنا واقف أبحث عن حق المرور.

 

بعد قليل سمعت زمورًا خلفي.

 

ثم زمورًا ثانيًا.

 

ثم رجلًا أشار بيده إشارة فهمت منها أن المحاضرة القانونية انتهت.

 

دخلت.

 

وتعلمت أول درس:

 

هناك أماكن لا تأخذ فيها الأولوية من القانون.

 

تأخذها عندما يراك الآخرون مقتنعًا أنك ستدخل.

 

ثم جاء المشاة.

 

في تركيا اعتدت أن أرى المشاة عند أماكن عبور واضحة نسبيًا.

 

هنا اكتشفت أن الإنسان السوري يؤمن بحرية الحركة.

 

إذا كان بيته في الجهة المقابلة من الشارع…

 

فلماذا يمشي مئة متر إلى مكان مخصص للعبور؟

 

ما هذا الهدر في الموارد؟

 

ينظر إليك.

 

تنظر إليه.

 

وهنا تبدأ مفاوضات صامتة.

 

هو يتقدم خطوة.

 

أنت تخفف السرعة.

 

يتقدم خطوتين.

 

أنت تتوقف.

 

يمر أمامك بهدوء رجل يعرف أن لديك مكابح وأن الله كريم.

 

وأحيانًا يرفع يده لك.

 

هذه اليد تعني:

 

شكرًا لأنك لم تقتلني.

 

وترجع أنت تكمل يومك.

 

ثم اكتشفت أن الزمور نفسه له لغة.

 

في أول أيام رجوعي كنت أسمع:

 

بيب.

 

بيب.

 

بييييب.

 

وأتعامل معها كلها بوصفها شكوى.

 

ثم بدأت أفهم.

 

بيب قصيرة:

 

أنا هون.

 

بيب ثانية:

 

انتبه.

 

بيب أطول:

 

تحرك.

 

بييييييب طويلة:

 

لدينا تاريخ مشترك بدأ قبل هذه الإشارة ولن ينتهي هنا.

 

هناك أشخاص يستطيعون إجراء حوار كامل بالزمور دون فتح النافذة.

 

وإذا اجتمع ثلاثة منهم عند تقاطع…

 

تحصل على بودكاست.

 

لكن أكثر ما أضحكني حصل عندما بدأت أبحث عن موقف.

 

وجدت سيارة متوقفة صفًا ثانيًا.

 

قلت:

 

يمكن صاحبها نازل دقيقة.

 

بعد قليل رأيت ثانية.

 

ثم ثالثة.

 

وبدأت أفهم أن عبارة «نازل دقيقة» في ثقافة السيارات لا تقاس بالوقت.

 

قد تكون دقيقة.

 

وقد تكون حتى ينتهي الرجل من شراء حاجاته وشرب القهوة والاطمئنان على صحة صاحب المحل.

 

أما أنا، فكنت أدور حول الحي للمرة الرابعة أبحث عن موقف رسمي.

 

في لحظة ما شعرت أن السيارات المركونة تنظر إلي وتضحك.

 

شوفوا المغترب… بده موقف.

 

ومع الأيام بدأت تحصل الكارثة الحقيقية.

 

بدأت أتأقلم.

 

في اليوم الأول، كل خمس دقائق كنت أقول:

 

يا لطيف!

 

مين عطاه شهادة؟

 

ليش فات؟

 

من وين طلعت هالدراجة؟

 

ليش وقف هون؟

 

ليش ما أعطى إشارة؟

 

بعد عدة أيام…

 

خفّ الكلام.

 

صرت أعرف أن الدراجة ستدخل قبل أن تدخل.

 

أعرف أن الميكروباص قد يقف فجأة.

 

أعرف أن المسافة التي أتركها ستُملأ.

 

أعرف أن الرجل الذي وضع نصف سيارته أمامي لا يعلن حربًا شخصية عليّ.

 

هو فقط يريد الدخول على الطريقة السورية

 

والأخطر…

 

أن يدي نفسها بدأت تتعلم.

 

صرت أغير المسرب أسرع.

 

أقرأ نوايا السيارات من حركة صغيرة.

 

أترك مساحة في المكان الصحيح وأغلقها في المكان الخطأ.

 

أصبحت أرى الطريق لا كما رسمته الخطوط البيضاء…

 

بل كما يستخدمه الناس فعلًا.

 

وهنا فهمت شيئًا لم أفكر فيه من قبل:

 

السواقة أيضًا لغة.

 

ليست مقودًا ودواسات فقط.

 

لكل بلد لهجته المرورية.

 

متى تتقدم.

 

متى تنتظر.

 

ماذا تعني هذه الإشارة باليد.

 

ماذا تعني هذه البيبة.

 

هل هذه السيارة تريد أن تدخل فعلًا أم أنها فقط تهدد.

 

وأنت عندما تعيش سنوات في بلد آخر…

 

تتعلم لهجته حتى في رجلك اليمنى.

 

رجعت إلى سوريا وأنا سوري تمامًا.

 

أتحدث العربية.

 

أعرف الناس.

 

أعرف البلد.

 

لكن سيارتي كانت تتحدث تركي.

 

تتوقف زيادة.

 

تترك مسافة زيادة.

 

تعطي غمازًا مبكرًا.

 

وتنتظر دورها بأدب جعلني أشعر أحيانًا أننا لن نصل إلى البيت قبل الشتاء.

 

ثم قبل يومين كنت أقود ومعي شخص عائد حديثًا من الخارج.

 

كانت أمامنا سيارة تحاول الدخول من شارع جانبي بطريقة جعلته يقول فورًا:

 

شو عم يعمل هاد؟!

 

وبلا تفكير قلت له:

 

عادي عادي…

 

خليه يفوت.

 

بعدها بعشر ثوانٍ ظهرت دراجة من يميني.

 

خففت السرعة قبل أن تدخل أصلًا.

 

ثم اقتربنا من مكان مزدحم فقلت له:

 

من هون لا تمشي بهالمسرب…

 

اليمين أسرع.

 

وسكتُّ.

 

لأنني سمعت نفسي.

 

منذ أيام كنت أنا الذي يسأل:

 

كيف الناس بتسوق هون؟

 

والآن بدأت أشرحها لغيري.

 

وهنا خفت قليلًا.

 

ليس من الطريق.

 

من نفسي.

 

لأن الإنسان لا يشعر بالعادة وهي تدخل إليه.

 

تدخل بهدوء.

 

موقف بعد موقف.

 

زمور بعد زمور.

 

دراجة نارية بعد دراجة نارية.

 

حتى يأتي يوم يترك فيه سائق أمامه مسافة أمان كبيرة…

 

فينظر إليها…

 

ويقول في داخله دون أن يشعر:

 

ليش تارك كل هالمساحة؟

 

وعندها تعرف أن المشكلة لم تعد أنك تعلمت السواقة في سوريا.

 

سوريا بدأت تسوق فيك.

المدير العام

بقلم: المدير العام

كاتب ومحرر في سوريا نيوز. تغطية شاملة للأحداث لحظة بلحظة.