الكاتب: أحمد علي
لا تعود الزراعة السورية إلى دورها القديم بمجرد إعلان مشروع جديد. هذا قطاع يعرف أرضه وفلاحه وأسواقه، لكنه خرج من سنوات طويلة مثقلاً بما هو أكثر من ضعف الإنتاج. شبكات ري متعبة، كلفة طاقة مرتفعة، أسواق خارجية أكثر حساسية للمواصفة، ومزارع صغير لا يستطيع وحده حمل عبء التعافي. لذلك لا يبدو الحديث عن شركة زراعية قابضة مجرد عنوان إداري. إنه محاولة لاختبار طريقة أخرى في جمع الأرض والاستثمار والتصدير ضمن إطار واحد.
شركة زراعية قابضة من العنوان إلى الإدارة
أعلن وزير الزراعة باسل السويدان، خلال بحثه مع ممثل منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة بالإنابة توماسو بيري، أن الوزارة تعمل على إعداد شركة قابضة برئاسته، تضم أراضي زراعية ومشاريع إنتاجية، وتفتح الباب أمام شراكات مع القطاع الخاص. كما ربط الوزير هذه الخطوة بإعادة هيكلة الوزارة، وتأهيل الكوادر والآليات والمخابر والمحاجر الزراعية، وتحديث القوانين والإجراءات الإدارية.
المعنى العملي لهذا الكلام لا يتوقف عند إنشاء كيان جديد. فالشركة القابضة، إذا أُريد لها أن تكون مختلفة، يجب أن تتعامل مع الزراعة كسلسلة كاملة لا كأرض يمكن استثمارها فقط. تبدأ المسألة من اختيار المحاصيل المناسبة، ثم البذار والري والمكافحة، وتصل إلى الفرز والتبريد والتوضيب والشهادات الصحية والنباتية. عند هذه النقطة يصبح الاستثمار الزراعي سياسة إنتاج، لا عقداً لتشغيل مساحة من الأرض.
هنا يظهر السؤال الأول. هل ستكون الشركة جسراً بين الدولة والمستثمر والمزارع، أم ستضيف طبقة إدارية جديدة فوق قطاع يعاني أصلاً من البطء والتشتت؟ الإجابة لا تحددها النية، بل شكل الحوكمة. من يقرر أولويات الزراعة؟ كيف تُمنح الأراضي؟ كيف تُصان حقوق العاملين والمزارعين؟ وما الحد الفاصل بين الشراكة المفيدة والاحتكار المقنع؟
التصدير يبدأ قبل المعبر
يمتلك المنتج السوري حضوراً معروفاً في أسواق قريبة، خاصة في الفواكه والخضار والزيتون وبعض المنتجات ذات الهوية المحلية. وقد تحدثت مصادر رسمية في تشرين الأول الماضي عن تصدير نحو 6000 طن من الفواكه والخضراوات خلال عشرة أيام، عبر 235 شاحنة براد، إلى أسواق الخليج والعراق. شملت الشحنات التفاح والعنب والإجاص والرمان والبطاطا والحمضيات، واتجهت إلى سلطنة عمان والكويت والسعودية والبحرين وقطر والإمارات، إضافة إلى العراق.
هذا الرقم مهم لأنه يثبت أن الطريق الخارجي لم يُغلق. لكنه لا يكفي لبناء سياسة تصدير. فالأسواق الخليجية لا تنتظر المنتج السوري بدافع الحنين، بل تقارنه بمنتجات تركية وأردنية ومصرية ولبنانية وغيرها. السعر مهم، لكن الجودة أهم حين تتعلق المسألة بالاستمرار. شحنة جيدة تفتح باباً، وشحنة ضعيفة قد تغلقه موسماً كاملاً.
من هنا تبدو عبارة تحسين الجودة، التي تكررت في تصريحات الوزارة والجهات المعنية، جوهرية أكثر مما تبدو. الجودة لا تُفحص في آخر الطريق فقط. تبدأ في الحقل، من الصنف وطريقة الري ونوعية المدخلات ومكافحة الآفات. ثم تمر عبر القطاف، والتخزين البارد، والتوضيب، والنقل. فإذا أرادت الشركة الزراعية القابضة أن تخدم التصدير فعلاً، فعليها أن تنقل اهتمامها من حجم الإنتاج إلى انتظامه ومواصفته.
وقد ناقشت وزارة الزراعة مع منظمة الفاو في وقت سابق فرص تعزيز تنافسية الصادرات الزراعية، بما في ذلك الزراعة التعاقدية بين المزارعين والمصدّرين، والترويج للمنتج قبل التصدير، والقدرة على التعامل مع تغيرات السوق وظروف الإنتاج. هذه ليست تفاصيل فنية معزولة. هي الشروط التي تمنع بقاء التصدير رهناً بالمصادفة أو الفائض الموسمي.
فرصة مشروطة لا وعداً مفتوحاً
إطلاق الاستراتيجية الوطنية للزراعة 2026-2030 وضع القطاع الزراعي في موقع متقدم ضمن خطاب التعافي والأمن الغذائي والنمو الاقتصادي. لكن تحويل الزراعة إلى قاطرة يحتاج إلى توازن صعب. لا يجوز دفع الصادرات على حساب السوق المحلية، ولا يصح جذب الاستثمار مع ترك المزارع الصغير خارج المعادلة، ولا يمكن الحديث عن إنتاج مستدام من دون معالجة المياه والطاقة والتبريد والتمويل.
الشركة القابضة قد تساعد إذا أدارت هذه العقد معاً. يمكنها أن تجمع المستثمرين حول مشاريع إنتاجية واضحة، وأن تربطهم بمخابر ومحاجر زراعية أكثر جاهزية، وأن تدفع باتجاه عقود مسبقة تضمن للمزارع سوقاً وللمصدّر جودة. لكنها قد تفشل إذا تحولت إلى عنوان كبير فوق مشكلات صغيرة لم تُحل. المزارع لا يحتاج إلى شعار كي يزرع. يحتاج إلى ماء، وكلفة معقولة، وسعر عادل، وطريق لا يبتلع ربحه قبل أن تصل البضاعة إلى البراد.
هناك خطر آخر يجب عدم تجاهله. الاستثمار الزراعي إذا لم يُنظم جيداً قد يحول الأرض إلى مجال مغلق للشركات الأكبر، ويترك أصحاب الحيازات الصغيرة في الهامش. وهذا سيكون عكس فكرة التعافي. فالزراعة السورية ليست قطاعاً مالياً فقط، بل نسيج ريفي واجتماعي. نجاحها يعني تثبيت الناس في أراضيهم، وتحسين دخلهم، وتأمين الغذاء، ثم تصدير الفائض الجيد لا سحب المنتج الأفضل من السوق المحلية بلا حساب.
الخلاصة أن الشركة الزراعية القابضة قد تكون أداة مهمة إذا جاءت كإدارة لسلسلة إنتاج وتصدير، لا كاسم جديد يضاف إلى لغة الاستثمار. سوريا تملك منتجات يمكن أن تعود إلى الأسواق العربية والخليجية، وتملك خبرة زراعية واسعة، لكنها تحتاج إلى نظام جودة وتمويل وتبريد وتعاقد وشفافية. إذا تحقق ذلك، يمكن للزراعة أن تصبح إحدى قاطرات التعافي. أما إذا بقيت الفكرة عند حدود الإعلان، فستظل الأرض تنتج ما تستطيع، لا ما يحتاجه الاقتصاد كي ينهض.
اقرأ أيضاً: موسم استثنائي للشعير في الحسكة.. أرقام قياسية تنعش الزراعة والثروة الحيوانية