🇸🇾 الطبقة الوسطى السورية إلى أين؟ هل نحن أمام مجتمع بطبقتين فقط؟
✍️ وائل كنان ديروان
👨🏻💼 مدير مالي تنفيذي – رائد أعمال
📊 خبير في تطوير الأعمال والعلامات التجارية
لسنوات طويلة، كانت الطبقة الوسطى هي العمود الفقري للمجتمع السوري.
👨🏻🏫 المدرّس
👨🏻💼 الموظف
👨🏻⚕️ الطبيب
👷🏻 المهندس
🧾 المحاسب
🏪 صاحب المحل الصغير
🏭 صاحب الورشة
💼 صاحب المشروع المتوسط
لم يكن هؤلاء أثرياء، لكنهم كانوا قادرين – بدرجات متفاوتة – على بناء حياة مستقرة:
🏠 منزل أو أمل بامتلاكه
🚗 سيارة متوسطة
🎓 تعليم الأولاد
🍽️ مستوى معيشة مقبول
💰 بعض المدخرات
🏖️ وربما رحلة أو رفاهية بسيطة من وقت لآخر
اليوم، السؤال لم يعد فقط: هل تراجعت الطبقة الوسطى؟
السؤال الأخطر هو:
❓ هل ما زال النموذج الاقتصادي الذي يصنع الطبقة الوسطى موجوداً أصلاً؟
📉 الطبقة الوسطى لا تختفي في يوم واحد
انهيار الطبقة الوسطى لا يحدث عندما يصبح شخص ما فقيراً فجأة.
بل يحدث بالتدريج.
كان الموظف يستطيع الادخار من راتبه.
ثم أصبح راتبه يكفي مصروف الشهر فقط.
ثم توقف عن الادخار.
ثم بدأ يسحب من مدخراته.
ثم أصبح بحاجة إلى عمل إضافي.
ثم أصبح شراء سيارة أو منزل بعيداً عن قدرته.
ثم أصبح أي ظرف صحي أو عائلي طارئ قادراً على قلب ميزانيته بالكامل.
وهنا يحدث التحول الحقيقي:
⚠️ الإنسان قد يبقى يحمل المسمى الوظيفي نفسه، لكن موقعه الاقتصادي والاجتماعي يتغير.
قد يبقى مديراً أو مهندساً أو طبيباً أو مدرساً…
لكن دخله لم يعد يمنحه مستوى الحياة الذي كان مرتبطاً تاريخياً بهذه المهنة.
💸 المشكلة ليست في الراتب… بل في القوة الشرائية
من أكبر الأخطاء أن نقارن الرواتب بين سنة وأخرى كأرقام فقط.
إذا ارتفع راتب شخص إلى الضعف، بينما تضاعفت تكاليف السكن والغذاء والنقل والطاقة أكثر من ذلك، فهو لم يصبح أغنى.
قد يكون أصبح أفقر فعلياً.
ولهذا فإن المقياس الصحيح ليس:
💰 كم أصبح راتبك؟
بل:
🛒 ماذا تستطيع شراءه بهذا الراتب؟
وهذه النقطة أصبحت شديدة الوضوح في سوريا خلال 2026.
بحسب منظمة الأغذية والزراعة، كانت سلة الحد الأدنى للإنفاق في يونيو/حزيران 2026 أعلى بأكثر من 30% مقارنة بالعام السابق، ورغم زيادة الحد الأدنى لأجور القطاع العام في مايو، فإنه كان يعادل نحو 47% فقط من قيمة تلك السلة.
بمعنى أبسط:
📌 المشكلة ليست أن المواطن يحمل نقوداً أقل فقط، بل أن النقود التي يحملها لا تشتري له مستوى الحياة الذي يحتاجه.
🏠 السكن هو الاختبار الأصعب للطبقة الوسطى
هناك معيار بسيط جداً يمكن من خلاله معرفة قوة الطبقة الوسطى في أي مجتمع:
❓ هل يستطيع الموظف أو صاحب الدخل المتوسط أن يحلم بامتلاك منزل؟
إذا احتاج شراء منزل إلى دخل لا يستطيع الموظف الوصول إليه طوال سنوات طويلة، وإذا أصبح الإيجار يستهلك جزءاً كبيراً من الدخل، فإن المشكلة لم تعد عقارية فقط.
إنها مشكلة في بنية توزيع الدخل والثروة.
لأن المنزل تاريخياً كان أحد أهم الأصول التي تنقل الأسرة من حالة عدم الاستقرار إلى الاستقرار المالي.
وعندما يصبح الوصول إليه شبه مستحيل لشريحة واسعة من الشباب، يبدأ مفهوم الطبقة الوسطى نفسه بالتغير.
💰 الفرق بين من يملك أصلاً ومن يعيش من راتبه
هنا تظهر إحدى أخطر التحولات.
تخيل شخصين يحصلان على الدخل نفسه.
الأول يملك منزلاً.
والثاني يدفع إيجاراً.
الأول يمتلك ذهباً أو عقاراً أو مدخرات بالدولار.
والثاني يعتمد على راتبه فقط.
مع التضخم وارتفاع أسعار الأصول، قد تتسع الفجوة بينهما عاماً بعد عام، حتى لو كان راتبهما متساوياً.
وهكذا يبدأ المجتمع بالانقسام ليس فقط حسب مستوى الدخل، بل حسب:
🏠 من يملك أصولاً.
مقابل:
💵 من يعتمد على دخله الشهري فقط.
وهذا فارق اقتصادي بالغ الأهمية.
📊 هل نحن فعلاً أمام مجتمع بطبقتين؟
من المبكر القول إن سوريا أصبحت مجتمعاً من طبقتين فقط، لأن الواقع الاجتماعي والاقتصادي أكثر تعقيداً من ذلك.
لكن هناك خطر واضح يجب الانتباه إليه:
أن تصبح المسافة بين الفئات القادرة على امتلاك الأصول والاستثمار والحفاظ على مدخراتها، وبين الفئات التي تستهلك كامل دخلها لتغطية احتياجاتها الأساسية، أكبر باستمرار.
وتوضح بيانات البنك الدولي حجم المشكلة التي تراكمت خلال سنوات الحرب؛ ففي تقييمه لعام 2025، قدّر أن نحو ربع السوريين كانوا في فقر مدقع، وأن قرابة ثلثي السكان كانوا تحت خط الفقر المستخدم للدول ذات الدخل المتوسط الأدنى، استناداً إلى أحدث البيانات المتاحة آنذاك.
هذه الأرقام لا تعني أن المجتمع مقسوم حرفياً إلى أغنياء وفقراء فقط.
لكنها تظهر حجم التحدي أمام إعادة بناء طبقة وسطى واسعة وآمنة اقتصادياً.
👨🏻💼 حتى صاحب المشروع الصغير ليس آمناً
قد نعتقد أن صاحب محل أو مطعم أو ورشة ينتمي تلقائياً إلى الطبقة الوسطى.
ليس بالضرورة.
إذا كانت مبيعاته ترتفع اسمياً، بينما ترتفع في المقابل:
⚡ الكهرباء
⛽ الوقود
👷🏻 الأجور
🏠 الإيجارات
📦 المواد الأولية
🚚 النقل
🧾 الضرائب والرسوم والتكاليف التشغيلية
فقد تبدو أرقام مبيعاته كبيرة، بينما يتراجع هامش ربحه الحقيقي.
وهذا ما نراه كثيراً في الإدارة المالية:
📈 ارتفاع المبيعات لا يعني بالضرورة ارتفاع الربح.
وارتفاع الربح الاسمي لا يعني بالضرورة ارتفاع الثروة الحقيقية.
🧠 أخطر خسارة ليست مالية فقط
عندما يشعر الشاب أن الوظيفة الجيدة لن تمكنه من شراء منزل أو تأسيس أسرة أو بناء مدخرات، تتغير قراراته.
قد يبحث عن الهجرة.
أو عن أكثر من وظيفة.
أو يترك تخصصه إلى عمل يحقق دخلاً أعلى.
أو يتجه نحو مشروع عالي المخاطر.
وهنا يبدأ الاقتصاد بخسارة شيء أخطر من الأموال:
🧠 رأس المال البشري.
فالطبيب والمهندس والمبرمج والمحاسب والمدرس والفني ليسوا مجرد موظفين.
هم جزء من القدرة الإنتاجية المستقبلية للاقتصاد.
🌍 والحوالات تصنع فارقاً كبيراً
في الحالة السورية هناك عامل آخر شديد الأهمية:
💵 الدخل القادم من الخارج.
أظهرت دراسات البنك الدولي أن الحوالات الدولية أصبحت شبكة أمان مهمة للأسر السورية، وأن تلقي الحوالات ارتبط بانخفاض ملموس في احتمالات الوقوع في الفقر في بيانات الأسر التي دُرست.
وهذا يمكن أن يخلق واقعاً اجتماعياً جديداً:
أسرتان تعملان في الوظائف نفسها داخل سوريا، لكن مستوى معيشتهما مختلف جذرياً لأن إحداهما لديها مصدر دخل خارجي.
وهكذا يصبح موقع الأسرة الاقتصادي مرتبطاً ليس فقط بما تنتجه داخل البلاد، وإنما أيضاً بقدرتها على الوصول إلى دخل خارجي.
⚠️ وهنا تكمن المشكلة طويلة الأجل
الحوالة تساعد الأسرة، وهذا أمر إيجابي على المستوى الفردي.
لكن الاقتصاد لا يستطيع بناء طبقة وسطى مستدامة اعتماداً على الحوالات وحدها.
الطبقة الوسطى المستقرة تحتاج إلى:
👷🏻 وظائف منتجة
💰 أجور حقيقية جيدة
🏭 شركات ناجحة
🏦 تمويل
🏠 قدرة على امتلاك السكن
📈 إمكانية الادخار والاستثمار
⚖️ حماية قانونية للملكية
🎓 تعليم جيد
🏥 خدمات أساسية يمكن تحمل تكلفتها
بدون هذه العناصر، تصبح الطبقة الوسطى هشة جداً أمام أي أزمة.
📈 لكن هناك جانب آخر من الصورة
رغم هذه الضغوط، لا تعني الظروف الحالية أن تراجع الطبقة الوسطى قدر محتوم.
صندوق النقد الدولي قال في أغسطس/آب 2026 إن التعافي الاقتصادي السوري يتسارع، مع توقع نمو بمعدلات من خانتين خلال 2026 واستمرار نمو قوي في 2027، مدفوعاً بتحسن الزراعة والطاقة والتجارة والخدمات وعوامل أخرى.
لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن الفقر ما يزال واسع الانتشار، وأن النمو غير متساوٍ بين المناطق، وأن التضخم ارتفع بصورة ملحوظة خلال 2026.
وهذه نقطة شديدة الأهمية.
📊 الاقتصاد يمكن أن ينمو…
لكن الطبقة الوسطى لا تعود تلقائياً.
لأن السؤال ليس فقط:
كم نما الناتج المحلي؟
بل:
❓ من حصل على الدخل الناتج عن هذا النمو؟
❓ كم وظيفة جديدة خلق؟
❓ ماذا حدث للأجور الحقيقية؟
❓ هل استطاعت الأسر الادخار؟
❓ هل أصبح السكن أكثر قابلية للتحمل؟
❓ وهل يستطيع صاحب المشروع الحصول على التمويل والتوسع؟
🏦 لذلك إعادة بناء الطبقة الوسطى تبدأ من الاقتصاد المنتج
نحن لا نحتاج فقط إلى زيادة الرواتب.
نحتاج إلى اقتصاد يستطيع دفع هذه الرواتب دون أن تتحول الزيادة إلى موجة أسعار جديدة.
وهذا يحتاج إلى:
🏭 إنتاج محلي.
🌾 زراعة وصناعة.
💻 قطاعات تقنية وخدمية حديثة.
🏗️ إعادة إعمار تخلق وظائف حقيقية.
🏦 قطاع مصرفي يمول المشاريع والأسر.
📦 صادرات تدخل العملات الأجنبية.
⚡ طاقة مستقرة بتكلفة قابلة للتحمل.
⚖️ مؤسسات وقوانين تحمي الاستثمار والملكية.
📊 منافسة وأسواق أكثر كفاءة.
🎯 الطبقة الوسطى ليست رفاهية
قد ننظر إلى الموضوع باعتباره قضية اجتماعية.
لكنه في الحقيقة قضية اقتصادية أيضاً.
لأن الطبقة الوسطى هي التي:
🛍️ تستهلك.
💰 تدخر.
🏠 تشتري المنازل.
🚗 تشتري السيارات.
🎓 تستثمر في تعليم أولادها.
🏪 تؤسس المشاريع الصغيرة.
📈 تستثمر جزءاً من مدخراتها.
🧾 وتكوّن قاعدة مهمة للنشاط الاقتصادي والإيرادات العامة.
لذلك عندما تتقلص الطبقة الوسطى، لا تتضرر الأسر وحدها.
يتضرر السوق نفسه.
🇸🇾 الخلاصة
السؤال الحقيقي ليس:
❓ هل يوجد أغنياء وفقراء في سوريا؟
فهذا موجود في كل اقتصاد.
السؤال الأهم هو:
❓ هل ما زال هناك طريق يستطيع من خلاله الموظف أو صاحب المشروع الصغير أن ينتقل إلى حياة أكثر استقراراً؟
هل يستطيع أن يعمل…
ثم يدخر…
ثم يمتلك منزلاً…
ثم يبني أصلاً…
ثم يؤسس مشروعاً…
ثم يؤمّن مستقبلاً أفضل لأولاده؟
إذا بقي هذا السلم موجوداً، تستطيع الطبقة الوسطى أن تعود وتنمو.
أما إذا أصبح المجتمع مقسوماً بصورة متزايدة بين:
💰 من يمتلك الأصول ورأس المال ومصادر الدخل المتعددة…
و
💸 من ينفق كامل دخله فقط كي يصل إلى نهاية الشهر…
فهنا لا نخسر مجرد «طبقة وسطى».
⚠️ بل نخسر أهم جسر اقتصادي واجتماعي بين الفقر والثروة.
والتحدي الحقيقي لسوريا في السنوات القادمة لن يكون فقط:
📈 كيف نجعل الاقتصاد ينمو؟
بل أيضاً:
👨👩👧👦 كيف نجعل هذا النمو يعيد بناء طبقة وسطى تستطيع أن تعيش، وتدخر، وتمتلك، وتستثمر، وتحلم من جديد؟
✍️ وائل كنان ديروان
👨🏻💼 مدير مالي تنفيذي – رائد أعمال
📊 خبير في تطوير الأعمال والعلامات التجارية