الكاتب: أحمد علي
لا تكفي المجاملات الدبلوماسية كي تتحول العلاقة مع الصين إلى اقتصاد حي. سوريا الخارجة من سنوات الانهيار تحتاج إلى ما هو أثقل من الصور والبيانات، تحتاج إلى قنوات تجارة واضحة، وتمويل يمكن تتبعه، ومشاريع إنتاجية لا تكتفي بإغراق السوق بالمستوردات. من هنا يكتسب الحديث عن “صالون الأعمال” السوري–الصيني معناه، لا بوصفه لقاءً بروتوكولياً، بل بوصفه اختباراً أولياً لقدرة الطرفين على نقل العلاقة من السياسة إلى الاستثمار.
التقارب الاقتصادي السوري–الصيني من الصالون إلى السوق
يبدو عنوان “صالون الأعمال” ناعماً في الظاهر، لكنه يحمل وظيفة عملية إذا أُدير بجدية. الاقتصاد لا يتحرك عبر البيانات الرسمية وحدها. يحتاج إلى غرفة يجلس فيها التجار والمستثمرون والصناعيون والمصرفيون وخبراء النقل والجمارك، ويطرحون الأسئلة التي لا تظهر في الكلمات العامة. ماذا تريد سوريا من الصين؟ وماذا تستطيع أن تقدم لها؟ وهل المطلوب علاقة استيراد أكبر، أم علاقة إنتاج وتمويل وتكنولوجيا؟ هذه هي النقطة الفاصلة.
العلاقات السورية–الصينية ليست جديدة. قبل الحرب كان التبادل التجاري قائماً، لكنه كان مختلاً بوضوح. في عام 2009 قُدّر حجم التجارة بين البلدين بنحو 2.2 مليار دولار، لكن الصادرات السورية إلى الصين بقيت محدودة جداً، بينما جاءت الكتلة الأكبر من العلاقة من الصادرات الصينية إلى السوق السورية. هذا الخلل لم يكن رقماً عابراً. كان يكشف موقع سوريا في العلاقة، سوقاً تستورد أكثر مما تنتج، وتستهلك أكثر مما تصدر.
بعد 2011 تبدلت البيئة كلها. الحرب والعقوبات وتراجع الدخل وتضرر المصانع والمرافئ والطرق جعلت التجارة المنتظمة أضعف، ودفعت جزءاً من الحركة الاقتصادية إلى الالتفاف والوساطات والأسواق الرمادية. ثم فتحت مرحلة ما بعد سقوط النظام السابق باباً جديداً، لكن الباب لم يفتح على اقتصاد جاهز. البلد لا يزال يحتاج إلى كهرباء مستقرة، ومصارف قادرة على التعامل الدولي، وجمارك مفهومة، وقضاء يطمئن المستثمر، وقواعد استثمار لا تتغير مع كل ظرف سياسي.
الصين تتحرك عادة ببطء محسوب. لا تدخل المشاريع الكبرى لأنها سمعت خطاباً ودياً. تبحث عن الاستقرار، والقدرة على السداد، وضمان العقود، وسلامة العاملين، ووضوح الجهة التي توقع وتنفذ. لذلك، يمكن لصالون الأعمال أن يكون مفيداً إذا تحول إلى منصة تقدم المشاريع السورية بلغة المستثمر، لا بلغة الأمنيات. أما إذا بقي مناسبة إعلامية، فلن يغير شيئاً في ميزان التجارة ولا في حياة الناس.
تأتي أهمية التوقيت من أن سوريا بدأت خلال 2025 إعادة وصل نفسها بالاقتصاد العالمي تدريجياً. أُعلن عن اتفاقيات استثمارية كبيرة بقيمة 14 مليار دولار، بينها توسعة مطار دمشق الدولي بقيمة 4 مليارات دولار، ومشروع مترو في دمشق بقيمة ملياري دولار. كما جرى الحديث عن عودة سوريا إلى نظام سويفت، وعن إصلاحات مصرفية مطلوبة لجذب الاستثمار بعد سنوات من العزلة. هذه التحركات لا تعني أن الاقتصاد تعافى، لكنها تقول إن الباب لم يعد مغلقاً كما كان.
الصين تراقب هذا الباب. لديها قدرة واسعة في البنية التحتية، الطاقة، النقل، الاتصالات، المعدات الصناعية، والمناطق اللوجستية. وهذه قطاعات تحتاجها سوريا بإلحاح. لكن دخول الصين لا يجب أن يُقرأ كحل سحري. الاستثمار الصيني، مثل أي استثمار كبير، يأتي بمصالح وشروط وحسابات. وقد يتحول إلى فرصة إن وُضعت له قواعد واضحة، أو إلى ديون وعقود غامضة إذا غابت الشفافية وضعفت القدرة التفاوضية.
لهذا يبدأ السؤال من الأولويات. سوريا لا تحتاج إلى استيراد كل شيء من الصين. تحتاج إلى ما يساعدها على الإنتاج. محطات طاقة، شبكات كهرباء، تجهيزات للمناطق الصناعية، آلات للغذاء والدواء والنسيج، تقنيات ري، معدات زراعية، حلول نقل، وخطوط إنتاج يمكن أن تعيد للمصانع معنى العمل. إذا جاء التقارب ليزيد البضائع الاستهلاكية فقط، فقد يضغط على المنتج المحلي الضعيف أصلاً. وإذا جاء بأدوات الإنتاج، فقد يصبح رافعة حقيقية.
الطلب السوري موجود. كل قطاع تقريباً يحتاج إلى إعادة بناء، من الإسمنت والحديد إلى الدواء والغذاء والطاقة والنقل. المشكلة ليست في غياب الحاجة، بل في التمويل والثقة. المستثمر الصيني سيسأل عن تحويل الأرباح، وسعر الصرف، والنزاعات القانونية، وضمانات الدولة، والشركاء المحليين، وأمن الطرق، وكلفة المرافئ، ومدة التخليص الجمركي. هذه التفاصيل هي التي تصنع الاستثمار، لا العنوان السياسي وحده.
وهناك بعد سياسي لا يمكن فصله عن الاقتصاد. الصين كانت حذرة في الاقتراب من سوريا الجديدة، وملف المقاتلين الأويغور والجماعات المرتبطة بتركستان الإسلامية يمثل لها حساسية واضحة. بكين تريد ضمانات بأن الأراضي السورية لن تتحول إلى مصدر تهديد لمصالحها أو أمنها الداخلي. زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى الصين في 2025، وما رافقها من تأكيدات حول مبدأ الصين الواحدة وعدم تهديد المصالح الصينية، أعطت إشارة سياسية مهمة. لكنها أظهرت أيضاً أن الاقتصاد لن يتحرك بعيداً عن ملف الأمن والثقة.
هذا لا يعني أن دمشق مطالبة بتقديم تنازلات مفتوحة. يعني أن العلاقة مع الصين ستقوم على معادلة واقعية، استقرار سياسي وأمني مقابل انفتاح اقتصادي تدريجي. وإذا أدارت سوريا هذه المعادلة بذكاء، يمكنها أن تستفيد من الصين من دون الارتهان لها. أما إذا تعاملت معها كبديل كامل عن الغرب أو الخليج أو المؤسسات الدولية، فستقع في اختصار خطر. البلد يحتاج إلى تنويع الشركاء، لا إلى استبدال تبعية بتبعية أخرى.
من جهة الصين، السوق السورية ليست كبيرة إذا قيست بأسواق الخليج أو مصر أو تركيا. جاذبية سوريا لا تأتي من الاستهلاك وحده، بل من الموقع. سوريا تقع بين شرق المتوسط والعراق وتركيا والأردن ولبنان، ويمكن أن تصبح جزءاً من خرائط نقل وتجارة أوسع إذا تحسنت المرافئ والطرق والسكك والمعابر. عندها قد تصبح بعض الاستثمارات الصينية جزءاً من حساب لوجستي إقليمي، لا مجرد بيع منتجات لسوق محلية محدودة.
لكن هذا السيناريو يحتاج إلى ما هو أكثر من الجغرافيا. كل دولة في المنطقة تقريباً تقول إنها جسر بين الشرق والغرب. الجسر الحقيقي هو الذي يملك مرفأ يعمل، وطريقاً آمناً، ومصرفاً يحول، وجمارك لا تعطل الشحنات، وقانوناً يعرف المستثمر كيف يلجأ إليه عند النزاع. من دون ذلك، تبقى الجغرافيا شعاراً لا مورداً.
السؤال الداخلي لا يقل أهمية، من سيستفيد من التقارب الاقتصادي السوري–الصيني؟ إذا حُصر الأمر في كبار المستوردين، سيعاد إنتاج اقتصاد الوكالات والعمولات. وإذا وصل إلى الصناعيين والمزارعين والشركات الصغيرة، فقد يخلق قيمة أوسع. المطلوب أن تكون غرف التجارة والصناعة والزراعة جزءاً من الحوار، لكن المطلوب أكثر أن تكون هناك آليات تمنع احتكار الفرص، وتربط أي تسهيل أو تمويل بإنتاج وفرص عمل وتصدير.
يمكن لصالون الأعمال أن ينجح إذا نزل من العناوين إلى الملفات. تمويل خطوط إنتاج في حلب وحمص وريف دمشق. إعادة تأهيل مصانع نسيج وغذاء ودواء. شراكات في الطاقة الشمسية والتخزين الكهربائي. معدات زراعية قابلة للتمويل. تدريب مهني وتقني. منصات للتجارة الإلكترونية والتصدير. هذه المسارات أقل بريقاً من الكلام عن الشراكة الاستراتيجية، لكنها أكثر فائدة للاقتصاد الفعلي.
ولا ينبغي إغفال الميزان التجاري. إذا زادت الواردات الصينية من دون نمو الصادرات السورية، سيزداد الضغط على العملة وعلى المنتج المحلي. سوريا تملك منتجات يمكن أن تدخل أسواقاً خارجية إذا تحسنت المواصفات والتعبئة والتسويق، مثل زيت الزيتون، والفستق، والكمون، والصابون، والنسيج، وبعض المنتجات الغذائية والزراعية. السوق الصينية ضخمة، لكنها لا تفتح أبوابها بالمجاملات. تحتاج إلى شهادات، ومواصفات، وسلاسل توريد منتظمة، وقدرة على التسليم.
فرصة حقيقية
الخلاصة أن التقارب الاقتصادي السوري–الصيني يحمل فرصة حقيقية، لكنه لا يحمل ضمانة. صالون الأعمال يمكن أن يكون بداية مسار إذا تحول إلى منصة عمل، ومن لقاء تعارف إلى عقود قابلة للتنفيذ. أما إذا بقي في حدود التصريحات، فسيضاف إلى قائمة طويلة من مؤتمرات وعدت بالاستثمار ولم تُغيّر شيئاً.
سوريا تحتاج إلى الصين، لكن ليس كمتجر كبير فقط. تحتاج إليها كشريك في البنية التحتية والطاقة والتصنيع والتكنولوجيا. والصين قد ترى في سوريا منفذاً شرق متوسطياً إذا استقر البلد وتوضحت قواعده. بين الحاجتين توجد فرصة. وبين الفرصة والنتيجة توجد شروط ثقيلة، الأمن، القانون، الشفافية، التمويل، وحماية المنتج المحلي.
إذا نجحت دمشق في جمع هذه الشروط، قد يفتح الصالون طريقاً جديداً للتجارة والاستثمار. وإذا فشلت، فسيبقى الباب مفتوحاً لبضائع أكثر، لا لاقتصاد أقوى. والفرق بين الأمرين هو الفرق بين بلد يشتري ما يحتاجه اليوم، وبلد يبني ما يحتاجه غداً.
اقرأ أيضاً: من شتورا إلى دمشق.. كيف تدخل الصين بوابة الإعمار السوري؟