بقلم هلا يوسف
عندما نقول عيد الأضحى تلقائياً تعود ذاكرة السوريين إلى تلك الأيام التي كانت الأسواق فيها تمتلئ بالحياة، وتبقى المحال مفتوحة حتى ساعات متأخرة من الليل، بينما تتنقل العائلات بين محال الألبسة والحلويات بحثاً عن فرحة العيد، حيث كان الأطفال ينتظرون ملابسهم الجديدة بلهفة، وكانت رائحة المعمول الخارجة من المنازل تعلن عن اقتراب العيد. أما اليوم فقد تغيرت ملامح العيد في كثير من المدن السورية بفعل الضغوط الاقتصادية. فالأسواق ما تزال مفتوحة ومليئة بالبضائع، لكن الحركة فيها لم تعد كما كانت، وأصبح كثير من الأهالي يكتفون بالنظر إلى الأسعار دون القدرة على الشراء. وبين ارتفاع تكاليف المعيشة وضعف الرواتب، تحاول العائلات الحفاظ على أبسط مظاهر الفرح بما يتناسب مع ظروفها الصعبة.
ارتفاع الأسعار يغير شكل العيد
في أسواق دمشق، وخاصة سوق الحميدية والأسواق التجارية المعروفة، تبدو الحركة خجولة مقارنة بالأعوام السابقة. فالتجار يؤكدون أن معظم الزبائن يدخلون المحال للاستفسار عن الأسعار فقط، بينما تبقى عمليات الشراء محدودة جداً.
ويقول أصحاب المحال إن السبب الرئيسي يعود إلى الارتفاع المستمر في تكاليف الإنتاج وعدم استقرار سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار. فأسعار المواد الأولية والكهرباء والنقل ارتفعت بشكل كبير، ما انعكس بشكل مباشر على أسعار الملابس والأحذية والحلويات.
وأشار بعض أصحاب الورشات إلى أن فاتورة الكهرباء الشهرية ارتفعت من حوالي مليون ليرة سورية إلى أكثر من خمسة ملايين ليرة، وهو رقم كبير بالنسبة لأصحاب الأعمال الصغيرة. كما أن تغيّر سعر الدولار بشكل يومي يجعل التجار في حالة قلق دائم، لأنهم لا يستطيعون تثبيت الأسعار لفترة طويلة.
وقد ظهرت آثار هذه الأزمة بشكل واضح على أسعار الملابس. ففي دمشق، تراوح سعر بنطال الجينز الرجالي بين 250 ألفاً و800 ألف ليرة سورية بحسب الجودة والماركة، بينما وصل سعر القميص إلى 650 ألف ليرة في بعض المحال. أما الأحذية الرجالية، فتراوحت أسعارها بين 275 ألفاً و850 ألف ليرة سورية.
وبالنسبة لألبسة الأطفال، التي تعد من أهم مستلزمات العيد بالنسبة للعائلات، فقد وصل سعر الطقم الولادي إلى نحو 700 ألف ليرة سورية، في حين تبدأ أسعار الأحذية من 225 ألف ليرة وقد تصل إلى 650 ألفاً.
وفي مدينة اللاذقية، لم يكن الوضع مختلفاً كثيراً، إذ تراوحت أسعار كنزات الأطفال بين 80 و150 ألف ليرة، بينما تجاوز سعر بعض البنطالـات 180 ألف ليرة سورية. أما الملابس النسائية والرجالية، فقد بدأت أسعار بعضها من 200 ألف ليرة ووصلت إلى أرقام أعلى بحسب النوع والجودة.
كما شهدت الحلويات ارتفاعاً كبيراً في الأسعار هذا العام. فقد تراوح سعر كيلو المعمول بالجوز بين 350 ألفاً و500 ألف ليرة سورية، بينما وصل سعر الحلويات الشرقية المشكلة إلى نحو 550 ألف ليرة. أما السكاكر والشوكولا، فقد تجاوز سعر الكيلو الواحد منها 150 ألف ليرة سورية، ما دفع كثيراً من العائلات إلى تقليل كميات الضيافة أو الاستغناء عنها بشكل كامل.
الأهالي بين الرغبة في الفرح وضغط المعيشة
أثرت هذه الظروف الاقتصادية بشكل مباشر على طريقة استقبال السوريين للعيد هذا العام. فكثير من العائلات أصبحت غير قادرة على شراء جميع مستلزمات العيد كما في السابق، واضطرت إلى الاكتفاء بالأمور الضرورية فقط.
بعض المواطنين أوضحوا أن زياراتهم للأسواق أصبحت بهدف الفرجة فقط، لأن الأسعار أصبحت أعلى من قدرتهم الشرائية. وقال عدد من الأهالي إن تأمين الطعام والاحتياجات اليومية أصبح أولوية أهم من شراء الملابس أو الحلويات.
كما عبرت أمهات عن حزنهن بسبب عدم القدرة على شراء ملابس جديدة لجميع الأطفال كما كانت العادة في كل عيد. وأشارت بعض السيدات إلى أن العائلات أصبحت تعيد استخدام ملابس السنوات الماضية أو تشتري قطعة واحدة فقط لكل طفل لتخفيف التكاليف.
أما الموظفون وأصحاب الدخل المحدود، فأكدوا أن رواتبهم لم تعد تكفي لتغطية متطلبات العيد. وأوضح بعضهم أن راتب شهر كامل قد لا يكفي لشراء كمية بسيطة من الحلويات أو ملابس لعائلة صغيرة، في ظل الارتفاع الكبير للأسعار.
ورغم ذلك، يحاول كثير من الأهالي الحفاظ على الحد الأدنى من أجواء العيد، خاصة للأطفال، حتى لو كانت الإمكانيات محدودة. فبعض العائلات استبدلت الحلويات الجاهزة بصناعة الحلويات المنزلية البسيطة، بينما فضّل آخرون تقديم القهوة والسكاكر فقط للضيوف بدلاً من الضيافة المعتادة.
التجار يشتكون من ضعف الإقبال
كما يواجه التجار أيضاً صعوبات كبيرة هذا الموسم، إذ يؤكد كثير منهم أن حركة البيع الحالية هي الأضعف منذ سنوات طويلة. وأوضح أصحاب المحال أن الأسواق تبدو مزدحمة أحياناً، لكن هذا الازدحام لا يتحول إلى حركة شراء حقيقية.
وأشار بعضهم إلى أن عشرة أشخاص قد يسألون عن الأسعار مقابل عملية شراء واحدة فقط، وهو ما يسبب خسائر للتجار الذين اضطروا لدفع تكاليف مرتفعة لتأمين البضائع وتجهيز المحال للموسم.
كما أوضح أصحاب المحال أن أغلب الزبائن أصبحوا يبحثون عن الملابس العملية التي يمكن استخدامها لفترة طويلة، بدلاً من شراء ملابس مخصصة للعيد فقط. وأكدوا أن الأولوية عند العائلات أصبحت للمواد الأساسية، بينما تراجع الإنفاق على الكماليات.
وفي مدينة حماة، وصف المواطنون أجواء الأسواق بأنها أقل بكثير من الأعوام الماضية، حيث كانت المحال تبقى مفتوحة حتى ساعات متأخرة بسبب كثافة الإقبال. أما اليوم فقد أصبحت بعض المحال تغلق أبوابها مبكراً نتيجة ضعف الحركة التجارية.
كما أشار بعض التجار إلى أن القادرين على الشراء هذا العام هم أصحاب الدخل المرتفع أو العائلات التي تتلقى حوالات مالية من أقاربها خارج البلاد، بينما تعاني غالبية المواطنين من ضعف القدرة الشرائية.
محاولات لتنظيم الأسواق وحماية المستهلك
بالتزامن مع اقتراب العيد، كثفت الجهات الرقابية في المدن السورية جولاتها على الأسواق لمتابعة الأسعار ومنع حالات الغش أو الاستغلال. ففي مدينة حماة نفذت مديرية التجارة الداخلية جولات رقابية على محال الألبسة للتأكد من الإعلان الواضح عن الأسعار ومطابقتها لأسعار البيع الحقيقية.
كما تم تنظيم عدد من الضبوط بحق المخالفين، وأكدت الجهات المعنية استمرار الرقابة اليومية خلال فترة العيد بهدف حماية المستهلك والحفاظ على استقرار الأسواق.
وفي الوقت نفسه، حاولت بعض الجهات المحلية دعم الحركة التجارية من خلال زيادة ساعات تزويد الكهرباء خلال فترة العيد، لتشجيع التجار على إبقاء محالهم مفتوحة في الفترة المسائية.
ويرى بعض الخبراء الاقتصاديين أن الأزمة الحالية مرتبطة بعدة عوامل متداخلة، أهمها انخفاض مستوى الدخل، وارتفاع تكاليف الإنتاج، واستمرار تقلبات سعر الصرف، إضافة إلى ارتفاع أسعار الخدمات والطاقة. ويؤكد هؤلاء أن ضعف القدرة الشرائية أصبح العامل الأساسي الذي يحدد حركة الأسواق في مختلف المناسبات.
في النهاية، لم تعد فرحة العيد بالنسبة لكثير من السوريين مرتبطة بكثرة المشتريات أو امتلاء البيوت بما لذ وطاب، بل أصبحت مرتبطة بالقدرة على الحفاظ على دفء العائلة وابتسامة الأطفال رغم كل الظروف الصعبة. فرغم الغلاء وضعف الحركة في الأسواق، ما يزال الناس يحاولون التمسك بروح العيد ولو بأبسط الطرق الممكنة.
اقرأ أيضاً: كيف تُقرأ انعكاسات كلفة الطاقة على معيشة السوريين والأسواق؟