بقلم: ديانا الصالح
تتزاحم الوجوه كل صباح أمام الأسواق التفاعلية في دمشق، ليس بحثاً عن فرصة للنجاة من واقع اقتصادي يزداد قسوة يوماً بعد يوم، فقد اختلطت هذه المساحة التي تحمل أحلام المحتاجين بأسئلة الشارع السوري حول حقيقة الدعم وحدوده.
فبينما تروّج محافظة دمشق للمشروع بوصفه نموذجاً للدعم الاجتماعي والتمكين الاقتصادي وكأنه طوق النجاة للفئات الأكثر هشاشة بالمجتمع، تتعالى الأصوات حول طبيعة هذا المشروع: هل هو دعم حقيقي للفئات المحتاجة أم أنه مجرد صيغة جديدة من التأجير المنظم بغطاء اجتماعي؟ وما بين السؤالين تتكشف التفاصيل.
الأسواق التفاعلية في دمشق .. تجربة دعم تحولت إلى مشروع اقتصادي
بدأ مشروع الأسواق التفاعلية في دمشق كمبادرة أطلقتها محافظة دمشق بهدف دعم الفئات الأكثر احتياجاً وتأمين فرص عمل صغيرة لأصحاب الدخل المحدود، وذلك من خلال إنشاء وحدات بيع”أكشاك وبسطات” ضمن الساحات العامة والأحياء التي تشهد كثافة سكانية، بهدف تسهيل وصول المواطنين إليها وخلق حركة تجارية نشطة.
واستهدف المشروع عدداً من الفئات المجتمعية منهم ذوي الاحتياجات الخاصة، ذوي الحاجة، كبار السن، والأسر التي تعيلها امرأة، ليتم تخصيص وحدات بيع لهم ضمن أسواق الخضار لقاء بدل إشغال غير ربحي، وبهذا يكون الهدف من المشروع وفقاً للمحافظة هو تمكين هذه العائلات وتوفير مصدر دخل مستدام لها.
ومع تزايد الإقبال على المشروع، وسعت محافظة دمشق من نطاق الأسواق التفاعلية ليمتد على 6 أسواق تفاعلية و5 مراكز لبيع الخضار والفاكهة ضمن عدة مناطق داخل العاصمة وتحولت التجربة من مبادرة محدودة إلى مشروع اقتصادي واجتماعي مستمر وواسع الانتشار.
وخلال الفترة الماضية بلغ العدد الإجمالي لوحدات البيع والمحال إلى 683 وحدة، تم تخصيصها ضمن قرعة علنية، كما أعلنت لاحقاً عن توفير 170 فرصة عمل جديدة ضمن أسواق الخضار والفواكه استكمالاً للمشروع.
هل يتحول الدعم إلى فرصة للاستثمار الخفي؟
على الرغم من الطابع الاجتماعي الذي تحاول محافظة دمشق إظهاره حول المشروع، إلا أن الحقيقة كشفت عن وجود حالات يقوم فيها بعض المستفيدين بتأجير الأكشاك والمحلات لأشخاص آخرين مقابل مبالغ مالية شهرية أو سنوية، الأمر الذي يثير التساؤلات حول الآليات التي تتم فيها متابعة وحدات البيع وتنفيذ الرقابة ومدى التزام المستفيدين بشروط الاستفادة الأساسية.
ووفقاً لتقارير محلية فإن عدداً من وحدات البيع تحولت بشكل فعلي إلى مشاريع استثمارية صغيرة تدار عبر مستأجرين فيما يبقى المستفيد الأساسي بعيداً عن ممارسة النشاط التجاري بنفسه، ليتحول هذا المشروع يوماً بعد يوم إلى سوق غير رسمية تقوم على تأجير الأكشاك للآخرين.
ووفقاً لشهادات بعض العاملين داخل أحد الأسواق التفاعلية في دمشق، أفاد عدد منهم بأن إدارة الأكشاك لا تتم دائماً من قبل أصحاب التراخيص الأساسيين، وإنما من خلال مستأجرين يتولون إدارة النشاط التجاري بشكل مباشر، مما يكشف وجود حالات تأجير غير معلنة داخل عدد من الأكشاك في السوق.
محافظة دمشق تشترط على الراغبين بالاستفادة من الوحدات التجارية هو أن تكون الاستفادة شخصية ومباشرة من قبل المستفيد نفسه وألا يتم التنازل عن الكشك أو تأجيره للغير تحت أي ظرف، وبالتالي فإن الإشكالية الرئيسية تبرز حول مدى قدرة الجهات المعنية على ضبط المخالفات ومتابعة هذه المحال خاصة وأن المشروع يتوسع بشكل سريع وكبير، حيث يشغل حتى الآن مواقع بارزة ومفصلية منها شارع الثورة، المزة، باب توما، الزاهرة، برزة، مساكن برزة، الطبالة، الزبلطاني، إضافة إلى مناطق أخرى وضعت ضمن مخطط التوسع التدريجي للمشروع، وهذه الوحدات تفتقد اليوم إلى بيانات تفصيلية رسمية توضح نسب الالتزام الفعلية لمستفيديها، مما يفتح الباب أمام الانتقادات.
الدعم الاجتماعي وواقع التطبيق
يحاول مشروع الأسواق التفاعلية في دمشق أن يجمع ما بين بعدين اثنين، الأول اجتماعي هدفه تخفيف الضغوط عن الفئات الهشة في المجتمع، وثانيهما اقتصادي يرتبط بتنشيط حركة الأسواق المحلية من خلال استثمار المساحات العامة بشكل منظم، إلا أن نجاح التطبيق يرتبط بوجود رقابة فعلية تضمن عدم تحول الدعم إلى فرصة للتأجير والربح غير القانوني.
خاصة وأن المشاريع الصغيرة التي يقدم الدعم لها يمكن أن تشكل مدخلاً فعلياً لتحسين الواقع المعيشي للمستفيدين في حال رافقتها شروط واضحة ومباشرة تمنع الاستغلال وتتابع بشكل منظم عمل هذه المشاريع، وإلا فإنها ستتحول إلى بيئة مناسبة للاستثمار غير المنظم وغير القانوني لاسيّما مع الوضع الاقتصادي والمعيشي الحالي وارتفاع الطلب على فرص العمل نتيجة تسريح عدد كبير من الموظفين على فترات متلاحقة وحاجة هؤلاء الأشخاص إلى نافذة للمعيشة.
مشروع قابل للنجاح بشروط صارمة
يرى خبراء محليون أن مشروع الأسواق التفاعلية في دمشق يتعدى كونه مبادرة خدمية عابرة، معتبرين أنه تجربة تسعى محافظة دمشق إلى توسيعها واعتمادها كنموذج اقتصادي واجتماعي مستمر، إلا أن نجاح هذه التجربة على المدى الطويل يعتمد على قدرة الجهات الرسمية في الحفاظ على الهدف الأساسي من المشروع وهو دعم الفئات الأكثر احتياجاً فعلياً لا خلق أسواق جديدة للاستثمار غير المباشر.
ومع استمرار التوسع في إنشاء الأسواق التفاعلية وربما تعميمها ونقلها إلى محافظات أخرى تبقى الأسئلة مطروحة حول مستقبل هذه التجربة، وما إذا كانت ستتحول حقاً إلى نموذج ناجح للتمكين الاقتصادي والاجتماعي أم إلى ملف جديد يضاف إلى أزمات الرقابة والعدالة في توزيع الدعم على المواطنين.
اقرأ أيضاً: تنظيم البسطات في دمشق: بين مقترح “البازارات المتنقلة” واعتراضات الواقع