مشروع إزالة الألغام في سوريا
أعلن المركز الوطني لمكافحة الألغام ومخلفات الحرب التابع لوزارة الطوارئ وإدارة الكوارث السورية عن مشروع جديد لإزالة الألغام ومخلفات الحرب في ثلاث محافظات سورية وذلك بالتعاون بين الحكومة السورية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي وبدعم مباشر من الحكومة اليابانية.
ويهدف مشروع إزالة الألغام في سوريا إلى تنظيف الأراضي الزراعية وشبكات المياه وكذلك الطرق الرئيسية من المتفجرات والألغام بما يسمح بإمكانية استخدام هذه المناطق وعودة السكان إليها بشكل آمن، كما يتضمن المشروع برامج توعية للسكان حول كيفية التعامل مع الأجسام المشبوهة ومخاطر الاقتراب منها بشكل خاص للأطفال وذلك ضمن المناطق التي شهدت معارك عنيفة خلال السنوات الماضية.
خسائر إنسانية واقتصادية متواصلة
أرقام الضحايا وحجم المساحات غير الآمنة بسبب الألغام في سوريا عمّق الأزمة الإنسانية وكذلك الاقتصادية التي خلفتها سنوات الحرب، فنحن نتحدث عن واقع يومي يهدد حياة المدنيين لا مجرد حوادث متفرقة.
تكشف أرقام الشبكة السورية لحقوق الإنسان حجم الكارثة التي خلفتها الألغام ومخلفات الحرب في سوريا حيث وثق التقرير ما لا يقل عن 3799 ضحية من المدنيين منذ آذار 2011 وحتى نيسان 2026، بينهم 1000 طفل و377 سيدة في مؤشر واضح على خطر هذه الألغام الذي يطال المدنيين دون تمييز.
ووفقاً للتقرير فإن 3398 مدنياً قضوا نتيجة انفجار ألغام أرضية في حين خطفت مخلفات الذخائر العنقودية أرواح 401 مدني، كما أشار التقرير إلى استمرار سقوط الضحايا حتى بعد نهاية العمليات العسكرية مما يؤكد أن خطر الألغام لا يزال قائماً ويشكل عائقاً مباشراً أمام عودة الحياة الطبيعية وإعادة الإعمار.
أما على الصعيد الاقتصادي فسوريا اليوم أمام آلاف الهكتارات الزراعية التي أصبحت غير صالحة للاستخدام بسبب انتشار الألغام، حتى أن تكلفة إزالة الألغام وفقاً لوزارة الزراعة فهي تتراوح بين ثلاثة آلاف وعشرة آلاف دولار للهكتار الواحد، مما يعني أن عمليات تنظيف المساحات الزراعية في المساحات الملوثة تزيد عن 130 مليون دولار، بالإضافة إلى أن الأراضي الزراعية أصبحت غير قابلة للاستصلاح بسبب أثر المواد المتفجرة والسمية التي تبقى آثارها في التربة لمدة تتراوح ما بين 20 إلى 40 عاماً.
دعم دولي لتعزيز عملية إزالة الألغام في سوريا
بالتزامن مع إطلاق المشروع الحكومي أعلنت بولندا عن تقديم تبرع قيمته 250 ألف دولار أمريكي لدعم جهود إزالة الألغام في سوريا خلال عام 2026 وذلك عبر دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام UNMAS، وقالت السفارة البولندية في دمشق إن هذا الدعم يهدف إلى تعزيز سلامة المدنيين والمساعدة في إعادة تأهيل المناطق المتضررة من الحرب.
ويعكس هذا التبرع وجود اهتمام دولي بملف إزالة الألغام في سوريا خاصة أن إزالتها يعتبر حجر الأساس لعودة الحياة الطبيعية للأهالي وما يرافق ذلك من أنشطة مختلفة مرتبطة بها.
تجارب دولية في مواجهة الألغام
معاناة سوريا مع الألغام ليست حالة استثنائية فهناك العديد من الدول التي واجهت ذات المشكلة بعد انتهاء الحروب، ففي كمبوديا مثلاً والتي تعد من أكثر دول العالم تلوثاً بالألغام استمرت الألغام والمخلفات المتفجرة بحصد أرواح المدنيين بعد الحرب الأهلية وذلك قبل أن تبدأ حملات واسعة استمرت لأكثر من ثلاثة عقود انطلقت وفق توجهين، الأول كان هدفه إزالة المتفجرات بدعم دولي والثاني كان من خلال برامج توعية مجتمعية ساعدت في تقليل أعداد الضحايا بشكل تدريجي، وأسهمت هذه الحملات في استعادة مساحات واسعة من الأراضي للزراعة وبناء المدارس والمراكز الصحية.
وفي البوسنة والهرسك أيضاً بقيت الألغام تهدد حياة السكان بعد أكثر من عشرين عاماً على انتهاء الحرب، خاصة أن المعارك التي شهدتها البلاد خلال تسعينيات القرن الماضي تركت حقولاً واسعة من الألغام بالقرب من القرى والطرقات والأراضي الزراعية، مما أعاق عودة السكان إلى بيوتهم وأبطأ من عمليات التنمية، لكن ومع مرور الوقت بدأت الجهود الحكومية بدعم من الاتحاد الأوروبي ومنظمات دولية بتنفيذ خطط طويلة الأمد لإزالة الألغام حيث شملت هذه الجهود عمليات مسح ميداني وتطهير للمناطق الخطرة وحملات توعية للسكان.
أما أنغولا فقد عاشت واحدة من أطول الأزمات المرتبطة بالألغام بعد الحرب الأهلية والتي استمرت حتى عام 2002، ووفقاً لتقارير دولية فقد تمكنت المنظمات الدولية بالتعاون مع الحكومة الأنغولية من تطهير ملايين الأمتار المربعة من الأراضي لكن على الرغم من هذا فإن البلاد مازالت بحاجة إلى تمويل ضخم لاستكمال إزالة المخلفات من الحقول المتبقية حتى الآن.
وتكشف هذه التجارب أن إزالة الألغام من البلاد تحتاج مشروعاً متكاملاً قد يطول أثره ويعتمد بشكل كبير على الجهود والدعم الدولي من توفير التمويل الكافي لعمليات المسح الميداني.
يبقى ملف إزالة الألغام في سوريا واحداً من أكثر الملفات خطورة وحساسية نظراً لارتباطه بحياة الناس اليومية، حيث لا تزال بيوتهم خطراً كامناً والأرض التي يبحثون فيها عن بداية جديدة قد تكون موتاً مؤجلاً، وما بين مشاريع التطهير الجارية والدعم الدولي الذي يحتاج إلى اهتمام أكبر تتكشف حقيقة واحدة وهي أن الطريق نحو الأمان ما زال غير مكتمل وآثار الحرب ما زالت موجودة وقد تظهر في أصغر تفاصيل الحياة اليومية للسوريين.
اقرأ أيضاً: في اليوم الدولي للتوعية بمخاطر الألغام.. إلى متى سيرافق الموت السوريين؟